أبو علي سينا
130
القانون في الطب ( طبع بيروت )
سخونة وجفاف . وأما السكون فهو مبرّد دائماً لفقدان انتعاش الحرارة الغريزية والاحتقان الحانق ومرطب لفقد التحلّل من الفضول . الفصل الثالث عشر موجبات النوم واليقظة النوم شديد الشبه بالسكون ، واليقظة شديدة الشبه بالحركة ، لكن لهما بعد ذلك خواص يجب أن نعتبر فنقول : إن النوم يقوي القوى الطبيعية كلها بحقن الحرارة الغريزية ويرخي القوى النفسانية بترطيبه مسالك الروح النفساني وإرخائه إياها وتكديرها جوهر الروح ويمنع ما يتحلل ، ولكنه يزيل أصناف الإعياء ويحبس المستفرغات المفرطة لأن الحركة تزيد المستعدات للسيلان إسالة ، إلا ما كان من المواد في ناحية الجلد فربما أعان للنوم على دفعه لحصره الحرارة داخلًا ، وتوزيعه الغذاء في البدن واندفاع ما قرب من الجلد بضن ما بعد ، ولكن اليقظة في هذا أبلغ ، على أن النوم أكثر تعريفاً من اليقظة وذلك لأن تعريفه على سبيل الاستيلاء على المادة لا على سبيل التحليل الرقيق المتّصل . ومن عرق كثيراً في نومه ولا سبب له من أسباب أخرى فإنه يمتلئ من الغذاء بما لا يحتمله ، فإن صادف النوم مادة مستعدّة للهضم أو النضج أحالها إلى طبيعة الدم وسخنها فانبث الحار في البدن فسخن البدن سخونة غريزية ، وإن صادف أخلاطاً حارة مرارية وطال زمانه سخن البمن صخونة غريبة ، وإن صادف خلاء تبرد بما يحلل أو خلطاً عاصياً على القوة الهائمة برد بما ينشر منه ، واليقظة تفعل أضداد جميع ذلك لكنها إذا أفرطت أفسدت مزاج الدماغ إلى ضرب من اليبوسة ، وأضعفته فخلطت العقل وأحرقت الأخلاط فأحدثت أمراضاً حادة . والنوم المفرط يحدث ضدّ ذلك فيحدث بلادة القوى النفسانية وثقل الدماغ والأمراض الباردة وذلك بما يمنع من التحلل ، والسهر يزيد في الشهوة ويجوع بما يحلل من المادة وينقص من الهضم بما يحلّل من القوة والتحليل بين سهر ونوم ، رديء الأحوال كلها . والغالب من حال النوم أن الحز فيه يبطن والبرد يظهر ولذلك يحتاجون من الدثار لأعضائهم كلها إلى ما لا يحتاج إليه اليقظان . وستجد من أحكام النوم وما يتعرف منه ومن أحواله كلاماً كثيراً في الكتب المستقبلة . الفصل الرابع عشر موجبات الحركات النفسانية جميع العوارض النفسانية يتبعها أو يصحبها حركات الروح إما إلى خارج ، وإما إلى داخل ، وذلك إما دفعة ، وإما قليلًا قليلًا ، ويتبع حركتها إلى خارج برد الباطن ، وربما أفرط ذلك فيتحلل دفعة فيبرد الباطن والظاهر ويتبعه غشي أو موت ويتبع حركتها إلى داخل برودة الظاهر وحرارة الباطن . وربما اختنقت من شدّة الانحصار فيبرد الظاهر والباطن ويتبعه غشي عظيم أو موت .