أبو علي سينا

131

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والحركة إلى خارج إما دفعة ، كما عند الغضب وإما أولًا ، فأولًا ، كما عند اللذة وعند الفرح المعتدل . والحركة إلى داخل إما دفعة كما عند الفزع ، وإما أولًا فأولًا ، كما عند الحزن . والاختناق ، والتحلل المذكوران إنما يتبعان دائماً ما يكون دفعة . وأما النقصان وذبول الغريزية فيتبع دائماً ما يكون قليلًا قليلًا - أعني بالنقصان الاختفاق بالتدريج - وفي جزء جزء لا دفعة ، وقد يتفق أن يتحرك إلى جهتين في وقت واحد إذا كان العارض يلزمه عارضان مثل الهم : فإنه قد يعرض معه غضب وحزن فتختلف الحركتان ، ومثل الخجل : فإنه قد يقبض أولًا إلى الباطن ثم يعود العقل والرأي فيبسط المنقبض فيثور إلى خارج فيحمر اللون . وقد ينفعل البدن عن هيئات نفسانية غير التي ذكرناها ، مثل التصورات النفسانية فإنها تثير أموراً طبيعية كما قد يعرض أن يكون المولود مشابهاً لمن يتخيل صورته عند المجامعة ويقرب لونه من لون ما يلزمه البصر عند الإنزال . وهذه أحوال ربما اشمأز عن قبولها قوم لم يقفوا على أحوال غامضة من أحوال الوجود . وأما الذين لهم غوص في المعرفة فلا ينكرونها إنكار ما لا يجوز وجوده . ومن هذه القبيل اتباع حركة الدم من المستعد لها إذا كَثر تأمله ونظره في الأشياء الحمر ، ومن هذا الباب تضرُس الإنسان لأكل غيره من الحموضة وإصابته الألم في عضو يؤلم مثله غيره إذا راعه ومن هذا الباب تبدل المزاج بسبب تصور ما يخاف أو يفرح به . الفصل الخامس عشر موجبات ما يؤكل ويشرب ما يؤكل ويشرب يفعل في بدن الإنسان من وجوه ثلاثة : فإنه يفعل فعلًا بكيفيته فقط ، وفعلًا بعنصره ، وفعلًا بجملة جوهره ، وربما تقاربت مفهومات هذه الألفاظ بحسب التعارف اللغوي . إلا أنا نصطلح في استعَمالها على معان نشير إليها . فأما الفاعل بكيفيته فهو أن يكون من شأنه أن يتسخن إذا حصل في بدن الإنسان أو يتبرد فيسخن بسخونته ويبرد ببرده من غير أن يتشبه به . وإما بعنصره : فأن يكون بحيث يستحيل عن طباعه فيقبل صورة جزء عضو من أعضاء الإنسان ، إلا أن عنصره مع قبوله صورته قد يتفق أن يبقى فيه من أول الأمر إلى أن يتم الانعقاد . والتشبه بقية من كيفياته التي كانت له ما هو أشد في بابها من الكيفيات لبدن الإنسان مثل الدم المتولد من الخس ، فإنه يصحبه من البرودة ما هو أبرد من مزاج الإنسان ، وإن كان قد صار دماً وصلح أن يكون جزء عضو إنسان . والدم المتولد من النوم بالضد . وأما الفاعل بجوهره ، فهو الفاعل بصورته النوعية التي بها هو هو لا بكيفيته من غير تشبه بالبدن ، أو مع تشته بالبدن ، وأعني بالكيفية إحدى هذه الكيفيات الأربع ، فالفاعل بالكيفية لا مدخل لمادته في الفعل والفاعل بالعنصر هو الذي إذا استحال عنصره عن جوهره استحالة يوجبها قوة في البدن قام بدل ما يتحلل أولًا ، وذكى الحرارة الغريزية بالزيادة في الدم ثانياً ،