أبو علي سينا
113
القانون في الطب ( طبع بيروت )
والأسباب السابقة تنفصل من البادية بأنها بدنية ، وأيضاً فإن الأسباب السابقة يكون بينها وبين الحالة واسطة لا محالة . والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك . والأسباب الواصلة لا يكون بينها وبين الحالة واسطة البتة . والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك ، بل الأمر أن فيها ممكنان فالأسباب السابقة هي أسباب بدنية أعني خلطية ، أو مزاجية ، أو تركيبية ، هي الموجبة للحالة إيجاباً غير أولي أعني توجبها بواسطة . والأسباب الواصلة أسباب بدنية توجب أحوالًا بدنية إيجاباً أولياً أي بغير واسطة والأسباب البادية أسباب غير بدنية توجب أحوالًا بدنية إيجاباً أولياً وغير أولي مثال الأسباب السابقة الامتلاء للحمى ، وامتلاء أوعية العين لنزول الماء فيها . ومثال الأسباب الواصلة العفونة للحمى ، والرطوبة السائلة إلى النفث للسدة ، والسدة للحمى ، ومثال الأسباب البادية حرارة الشمس وشدة الحرارة ، أو الغم أو السهر أو تناول شيء مسخن كالثوم . كل ذلك للحمى ، أو الضربة للانتشار ونزول الماء في العين . وكل سبب إما سبب بالذات ، كالفلفل يسخن والأفيون يبرد ، وإما بالعرض كالماء البارد إذا سخن بالتكثيف وتحقن الحرارة ، والماء الحار إذا برد بالتحليل ، والسقمونيا إذا برد باستفراغ الخلط المسخًن وليس كل سبب يصل إلى البدن يفعل فيه بل قد يحتاج مع ذلك إلى أمور ثلاثة : إلى قوة من قوته الفاعلة ، وقوة من قوة البدن الإستعدادية ، وتمكن من ملاقاة أحدهما الآخر زماناً في مثله يصدر ذلك الفعل عنه . وقد تختلف أحوال الأسباب عند موجباتها ، فربما كان السبب واحداً واقتضى في أبدان شتى أمراضاً شتى ، أو في أوقات شتى أمراضاً شتى ، وقد يختلف فعله في الضعيف والقوي وفي شديد الحسّ وضعيف الحس . ومن الأسباب ما هو مخلِف ومنها ما هو غير مخلِف والمخلِف هو الذي إذا فارق ، يبقى تأثيره . وغير المخلِف هو الذي يكون البرء مع مفارقته . ونقول : إن الأسباب المغيرة لأحوال الأبدان والحافظة لها ، إما ضرورية لا يتأتى للإنسان التفصي عنها في حياته ، وإما غير ضرورية . والضرورية ستة أجناس : جنس الهواء المحيط وجنس ما يؤكل ويشرب وجنس الحركة والسكون البدنيين وجنس الحركات النفسانية وجنس النوم واليقظة وجنس الاستفراغ والاحتقان فلنشرع أولًا في جنس الهواء . الفصل الثاني تأثير الهواء المحيط بالأبدان الهواء عنصر لأبداننا وأرواحنا ، ومع أنه عنصر لأبداننا وأرواحنا فهو مددة يصل إلى أرواحنا ، ويكون علة إصلاحها لا كالعنصر فقط ، لكن كالفاعل أعني المعدل وقد بيّنا ما نعني بالروح فيما سلف ، ولسنا نعني به ما تسميه الحكماء النفس . وهذا التعديل الذي يصدر عن الهواء في أرواحنا يتعلق بفعلين هما الترويح والتنقية .