أبو علي سينا
114
القانون في الطب ( طبع بيروت )
والترويح هو تعديل مزاج الروح الحار إذا أفرط بالإحتقان في الأكثر وتغيّره - وأعني بالتعديل - التعديل الإضافي الذي علمته ، وهذا التعديل يفيده الإستنشاق من الرئة . ومن منافس النبض المتصلة بالشرايين والهواء الذي يحيط بأبداننا بارد جداً بالقياس إلى مزاج الروح الغريزي فضلًا عن المزاج الحادث بالاحتقان ، فإذا وصل إليه صدمه الهواء وخالطه ومنعه عن الاستحالة إلى النارية والاحتقانية المؤدية إلى سوء مزاج يزول به عن الاستعداد لقبول التأثر النفساني فيه الذي هو سبب الحياة وإلى تحلل نفس جوهره البخاري الرطب . وأما التنقية فهي باستصحابه عند رد النفس ما تسلمه إليه القوة المميّزة من البخار الدخاني الذي نسبته إلى الروح نسبة الخلط الفضلي إلى البدن . والتعديل هو بورود الهواء على الروح عند الاستنشاق ، والتنقية بصدوره عنه عند رد النفس ، وذلك لأن الهواء المستنشق إنما يحتاج إليه في تعديله أول وروده أن يكون بارداً بالفعل ، فإذا استحال إلى كيفية الروح بالتسخين لطول مكثه بطلت فائدته فاستغنى عنه . واحتيج إلى هواء جديد يدخل ويقوم مقامه فاحتيج ضرورة إلى إخراجه لإخلاء المكان لمعاقبة ولتندفع معه فضول جوهر الروح والهواء ما دام معتدلَا وصافياً ليس يخالطه جوهر غريب مناف لمزاج الروح ، فهو فاعل للصحة وحافظ لها ، فإذا تغير فعل ضد فعله . والهواء يعرض له تغيرات طبيعية وتغيرات غير طبيعية وتغيّرات خارجة عن المجرى الطبيعي مضادة له . والتغيرات الطبيعية هي التغيرات الفضلية فإنه يستحيل عند كل فصل إلى مزاج آخر . الفصل الثالث طباع الفصول اعلم أن هذه الفصول عند الأطباء غيرها عند المنجمين ، فإن الفصول الأربعة عند المنجّمين هي أزمنة انتقالات الشمس في ربع ، ربع ، من فلك البروج مبتدئة من النقطة الربيعية ، وأما عند الأطباء فإن الربيع هو الزمان الذي لا يحوج في البلاد المعتدلة إلى إدفاء يعتد به من البرد ، أو ترويح يعتد به من الحر ويكون فيه ابتداء نشوء الأشجار ، ويكون زمانه زمان ما بين الاستواء الربيعي أو قبله أو بعده بقليل إلى حصول الشمس في نصف من الثور . ويكون الخريف هو المقابل له في مثل بلادنا . ويجوز في بلاد أخرى أن يتقدم الربيع ويتأخر الخريف . والصيف هو جميع الزمان الحار والشتاء هو جميع الزمان البارد فيكون زمان الربيع والخريف كل واحد منهما عند الأطباء أقصر من كل واحد من الصيف والشتاء . وزمان الشتاء مقابل للصيف أو أقل أو أكثر منه بحسب البلاد . فيشبه أن يكون الربيع زمان الأزهار ابتداء الأثمار والخريف زمان تغير لون الورق وابتداء سقوطه ، وما سواهما شتاء وصيف . فنقول إن مزاج الربيع هو المزاج المعتدل وليس على ما