أبو علي سينا
101
القانون في الطب ( طبع بيروت )
بعينه قد يتناول قوة التغذية ، فربما بطل فعلها في بعض الأعضاء وبقي حياً وربما بقي فعلها والعضو إلى الموت . ولو كانت القوة المغذية بما هي قوة مغذية تعد للحسّ والحركة ، لكان النبات قد يستعد لقبول الحس والحركة فيبقى أن يكون المعد أمراً آخر يتبع مزاجاً خاصا ، ويسمى قوة حيوانية ، وهو أول قوة تحدث في الروح إذا حدث الروح من لطافة الأمشاج . ثم إن الروح تقبل بها - عند الحكيم " ارسطوطاليس " - المبدأ الأول والنفس الأولى التي ينبعث عنها سائر القوى ، إلا أن أفعال تلك القوى لا تصدر عن الروح في أول الأمر ، كما أن أيضاً لا يصدر الإحساس عند الأطباء عن الروح النفساني الذي في الدماغ ما لم ينفذ إلى الجليدية ، أو إلى اللسان ، أو غير ذلك ، فإذا حصل قسم من الروح في تجويف الدماغ قبل مزاجاً وصلح لأن يصدر به عند أفعال القوة الموجودة فيه بدنا . وكذلك في الكبد وفي الأنثيين . وعند الأطباء ما لم يستحل الروح عند الدماغ إلى مزاج آخر لم يستعد لقبول النفس التي هي مبدأ الحركة والحس . وكذلك في الكبد وإن كان الامتزاج الأول قد أفاد قبول القوة الأولى الحيوانية وكذلك في كل عضو كان لكل جنس عن الأفعال عندهم نفس أخرى . وليست النفس واحدة يفيض عنها القوى ، أو كانت النفس مجموع هذه الجملة فإنه وإن كان الامتزاج الأول ، فقد أفاد قبول القوة الأولى الحيوانية ، حيث حدث روح وقوة هي كماله ، لكن هذه القوة وحدها لا تكفي عندهم لقبول الروح بها سائر القوى الأخر ما لم يحدث فيها مزاج خاص . قالوا : وهذه القوة مع أنها مهيئة للحياة ، فهي أيضاً مبدأ حركة الجوهر الروحي اللطيف إلى الأعضاء ومبدأ قبضه وبسطه للتنسم والتنقي على ما قيل كأنها بالقياس إلى الحياة تقبل انفعالًا ، وبالقياس إلى أفعال النفس والنبض تفيد فعلًا . وهذه القوة تشبه القوى الطبيعية لعدمها الإرادة فيما يصدر عنها ، وتشبه القوى النفسانية لتعين أفعالها لأنها تقبض وتبسط معاً وتحرك حركتين متضادتين . إلا أن القدماء إذا قالوا نفس للنفس الأرضية عنوا كمال جسم طبيعي آلي وأرادوا مبدأ كل قوة تصدر عنها بعينها حركات وأفاعيل متخالفة ، فتكون هذه القوة على مذهب القدماء قوة نفسانية . كما أن القوى الطبيعية التي ذكرناها تسمى عندهم قوة نفسانية . وأما إذا لم يرد بالنفس هذا المعنى بل عنى به قوة هي مبدأ إدراك وتحريك تصدر عن إدراك ما ، بإرادة ما ، وأريد بالطبيعة كلّ قوّة يصدر عنها فعل في جسمها على خلاف هذه الصورة ، لم تكن هذه القوة نفسانية ، بل كانت طبيعية . وأعلى درجة من القوة التي يسميها الأطباء طبيعية . وأما إن سمي بالطبيعية ما يتصرف في أمر الغذاء وحالته ، سواء كان لبقاء شخص ، أو بقاء نوع ، لم تكن هذه طبيعية وكانت جنساً ثالثاً . ولأن الغضب والخوف وما أشبههما انفعال لهذه القوة . وإن كان مبدؤها الحس والوهم والقوى الدَاركة كانت منسوبة إلى هذه القوى . وتحقيق بيان هذه القوى وإنها واحدة أو فوق واحدة هو إلى العلم الطبيعي الذي هو جزء من الحكمة .