أبو علي سينا

102

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفصل الخامس القوى النفسانية المدركة والقوة النفسانية تشتمل على قوتين هي كالجنس لهما : إحداهما قُوة مدرِكَة ، والأخرى قُوة مُحَركة . والقوة المدركة كالجنس لقوتين : قوة مدركة في الظاهر وقوة مدركة في الباطن . والقوة المدركة في الظاهر هي الحسية ، وهي كالجنس لقوى خمس عند قوم ، وثمان عند قوم . وإذا أخذت خمسة كانت قوة الإبصار وقوة السمع وقوة الشم وقوة الذوق وقوة اللمس . وأما إذا أخذت ثمانية ، فالسبب في ذلك ، أن أكثر المحصلين يرون أن اللمس قوى كثيرة بل هو قوى أربع . ويخصون كل جنس من الملموسات الأربع بقوة على حدة ، إلا أنها مشتركة في العضو الحساس كالذوق واللمس في اللسان والإبصار واللمس في العين وتحقيق هذا إلى الفيلسوف . والقوة المدركة في الباطن أعني الحيوانية هي كالجنس لقوى خمس : إحداها : القوة التي تسمى الحس المشترك والخيال : وهي عند الأطباء قوة واحدة ، وعند المحصلين من الحكماء قوتان . فالحس المشترك هو الذي يتأدى إليه المحسوسات كلها ، وينفعل عن صورها ويجتمع فيه . والخيال هو الذي يحفظها بعد الاجتماع ويمسكها بعد الغيبوبة عن الحس والقوة القابلة منهما غير الحافظة . وتحقيق الحق في هذا هو أيضاً على الفيلسوف . وكيف كان فإن مسكنهما ومبدأ فعلهما هو البطن المقدم من الدماغ . والثانية : القوة التي تسميها الأطباء مفكرة : والمحققون تارة يسمونها متخيلة وتارة مفكرة فإن استعملتها القوة الوهمية الحيوانية التي نذكرها بعد أو نهضت هي بنفسها لفعلها سموها متخيلة ، وإن أقبلت عليها القوة النطقية وصرفتها على ما ينتفع به ، سنها سميت مفكرة . والفرق بين هذه القوة وبين الأولى كيف ما كانت : أن الأولى قابلة أو حافظة لما يتأدى إليها من الصور المحسوسة . وأما هذه فإنها تتصرف على المستودعات في الخيال تصرفاتها من تركيب وتفصيل فتستحضر صوراً على نحو ما تأدى من الحس وصوراً مخالفة لها ، كإنسان يطير وجبل من زمرد . وأما الخيال فلا يحضره إلا للقبول من الحس . ومسكن هذه القوة هو البطن الأوسط من الدماغ . وهذه القوة هي الة لقوة هي بالحقيقة المدركة الباطنة في الحيوان وهي الوهم ، وهو القوة التي تحكم في الحيوان بأن الذئب عدو ، والولد حبيب ، وأن المتعهد بالعلف صديق ، لا ينفر عنه على سبيل غير نطقي . والعداوة والمحبة غير محسوسين ليس يدركهما الحس من الحيوان ، فإذن إنما يحكم بهما ويدركهما قوة أخرى ، وإن كان ليس بالإدراك النطقي ، إلا أنه لا محالة إدراك ما غير النطقي . والإنسان أيضاً قد يستعمل هذه القوة في كثير من الأحكام ويجري في ذلك مجرى الحيوان الغير الناطق . وهذه القوة تفارق الخيال ، لأن الخيال يستثبت المحسوسات وهذه تحكم في المحسوسات بمعان غير محسوسة وتفارق التي تسمّى مفكرة ومتخيلة بأن أفعال تلك لا يتبعها حكم ماء ، وأفعال هذه يتبعها حكم ما بل هي أحكام ما وأفعال تلك تركبّت في المحسوسات ، وفعل هذه هو حكم في المحسوس من معنى خارج عن المحسوس . وكما أن الحس في الحيوان