أبو علي سينا
100
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وبالجملة لا حاجة بالدافعة إلى التسكين البتة بل إلى التحريك وإلى قليل تكثيف يعين العصر والدفع لا مقدار ما تبقى به الآلة حافظة لهيئة شكل العضو أو القبض ، كما في الماسكة زماناً طويلًا وفي الجاذبة زمانا يسيراً ريث تلاحق جذب الأجزاء . فلهذا حاجتها إلى اليبس قليلة وأحوجها كلها إلى الحرارة هي الهاضمة ، ولا حاجة بها إلى اليبوسة ، بل إنما يحتاج إلى الرطوبة لتسهيل الغذاء وتهيئته للنفوذ في المجاري والقبول للأشكال . وليس لقائل أن يقول : إن الرطوبة لو كانت معينة للهضم لكان الصبيان لا يعجز قواهم عن هضم الأشياء الصلبة ، فإن الصبيان ليسوا يعجزون عن هضم ذلك ، والشبان يقدرن عليه لهذا السبب بل لسبب المجانسة . والبعد عن المجانسة فما كان من الأشياء صلباً لم يجانس مزاج الصبيان ، فلم تقبل عليها قواهم الهاضمة ولم تقبلها قواهم الماسكة ، ودفعها بسرعة قواهم الدافعة . وأما الشبّان ، فذلك موافق لمزاجهم صالح لتغذيتهم ، فيجتمع من هذه أن الماسكة تحتاج إلى قبض وإلى إثبات هيئة قبضٍ زمانا طويلًا وإلى معونة يسيرة في الحركة . والجاذبة إلى قبض وثبات قبض زماناً يسيرا جداً ومعونةً كثيرةً في الحركة . والدافعة إلى قبض فقط من غير ثبات يعتد به وإلى معونة على الحركة . والهاضمة إلى إذابة وتمزيج فلذلك تتفاوت هذه القوى في استعمالها للكيفيات الأربع واحتياجها إليها . . الفصل الرابع القوى الحيوانية وأما القوة الحيوانية ، فيعنون بها ، القوة التي إذا حصلت في الأعضاء ، هيأتها لقبول قوة الحس والحركة وأفعال الحياة . ويضيفون إليها حركات الخوف والغضب لما يجدون في ذلك من الانبساط والانقباض العارض للروح المنسوب إلى هذه القوة . ولنفضل هذه الجملة فنقول : إنه كما قد يتولد عن كثافة الأخلط بحسب مزاج ما جوهر كثيف ، هو العضو ، أو جزء من العضو فقد يتولّد من بخارية الأخلاط . ولطافتها بحسب مزاج ما هو جوهر لطيف هو الروح ، وكما أن الكبد عند الأطباء معدن التولد الأول ، كذلك القلب معدن التولد الثاني . وهذا الروح إذا حدث على مزاجه الذي ينبغي أن يكون له إستعد لقوة تلك القوة بعد الأعضاء كلها لقبول القوى الأخرى النفسانية وغيرها . والقوى النفسانية لا تحدث في الروح والأعضاء إلا بعد حدوث هذه القوة ، وإن تعطّل عضو من القوى النفسانية ولم يتعطل بعد من هذه القوة ، فهو حي ، ألا ترى أن العضو الخدر ، والعضو المفلوج ، فاقد في الحال لقوة الحسّ والحركة لمزاج يمنعه عن قبوله أو سدة عارضة بين الدماغ وبينه وفي الأعصاب المنبثة إليه ، وهو مع ذلك حي والعضو الذي يعرض له الموت ، فاقد الحسّ والحركة ويعرض له أن يعفن ويفسد . فإذن في العضو المفلوج قوة تحفظ حياته حتى إذا زال العائق فاض إليه قوة الحس والحركة ، وكان مستعدًّا لقبولها بسبب صحة القوة الحيوانية فيه ، وإنما المانع هو الذي يمنع عن قبوله بالفعل . ولا كذلك العضو الميت وليس هذا المعد هو قوة التغذية وغيره ، حتى إذا كانت قوة التغذية باقية كان حياً ، وإذا بطلت كان ميتاً . فإن هذا الكلام