علي بن الحسين بن هندو

57

مفتاح الطب ومنهاج الطلاب

فنقول انّ دقايق عمل الموسيقى وغوامضه الّتى بها قدر أولئك الفلاسفة على شفاء المرضى ، وإن كانت قد فاتتنا وتعذّرت علينا ، فلم تفتنا جلائله وظواهره . فإنّا نعلم بالجملة انّ هاهنا طريقة من اللّحن أو النّقر أو الزّمر أو الإيقاع تبعث الشّجو ، وأخرى تجلب الفرح ، وأخرى تسكن [ 424 ] وتفتن ، وأخرى تقلق وتزعج ، وأخرى تسهر وأخرى تنوّم . وكثيرا ما نأمر في معالجات أصحاب السّوداء والصّرع باستعمال الطّريق التي تخصّهم وتنجع فيهم . وليس يوجب ذلك أن يكون الطّبيب هو المتعاطى للنّقر والزّمر والزّفن والرّقص ، بل للطّبّ خدم كثيرون كالصّيدنانى والفصّاد والحجّام والحقّان ، فهو يستعين بهم ، ويكل هذه الأعمال إليهم . فكذلك يستعين بالموسيقار فيما يحتاج إليه من ذلك الباب . وعلى هذا أكثر الصّناعات . فإنّ الفارس لا يلزمه صنعة السّرج واللّجام ، بل يستعين فيها بالسّرّاج . والكاتب لا يلزمه اتّخاذ الدّواة والقرطاس . والصّائغ لا يلزمه اتّخاذ المطرقة والمنفاخ . ولولا الاستعانة ، لضاق نطاق عمر الشّخص الواحد عن استكمال صناعته والتبريز في علم أو مهنة . فأمّا العلم الإلهى فمن الظّاهر انّ الطّبيب من حيث هو طبيب ، لا يلزمه البحث عنه ، والوقوف على حقائقه .