علي بن الحسين بن هندو
49
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب
في سلك الاستنباط ، ويطاوع لطائف الاستخراج ، وقد تقدّم من جدالنا في ذلك ما يكفى ويشفى . ونزيد فنقول : انّ الوحي يخصّ النّاس من بين الحيوانات ، إلّا انّه فيما لا طريق للعقل إليه ، ولا مجال للقياس فيه ، كمثل الأوضاع الشّرعيّة المتضمّنة لمصالح البريّة ، والإلهام يخصّ سائر الحيوانات الّتى هي غير الإنسان ، إلّا انّه في أشياء يمكن للإنسان أن يتطرّق إليها بعقله ، ويستنبطها بفكره ؛ مثل نساجة العنكبوت وبناء الشّرفة ، واستشفاء كثير من الحيوانات في علل يعتريها بالأدوية . ومن المحال أن يكون الطّبّ وحيا [ 421 ] أو إلهاما ، لأنّ العقل كما بيّنّا يقدر على استنباطه ويتقلقل إلى كرامته . وقد تبيّن في الفلسفة انّ اللّه ، تعالى ، لا يفعل لغوا ، ولا يوجد شيئا فضلا . وبيّن جالينوس بيانا بالغا : انّ الانسان لو ألهم واحدة من الصّناعات ، لاستحال أن يستنبط صناعة غيرها ، وينطبع في نفسه ما سواها . وهذا ظاهر من الاستقراء . فإنّ العنكبوت لا يصنع غير النّساجة ، والنّحلةّ لا يمكنها غير عمل الشّهد ، والشّرفة لا يتاتّى لغير البنّاء . فيجب ان يقول : انّ الطّبّ استنبطه العقل بان اتّخذ اوّلا أصولا من الأشياء الواقعة بالاتّفاق ، أو الممتحنة بالقصد ، أو المستفادة