علي بن الحسين بن هندو
50
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب
من المنامات ، أو المشاهدة من إلهام الحيوانات . ثمّ تدرّج منها إلى تحريك الفكر ، وتسليط القياس ، فقوى تلك الأصول وفرع عليها الفروع . أمّا الشّئ الواقع بالاتّفاق ، كما يحكى اليونانيون من انّ صبية تساعوا إلى بعض الغياض ، فتنّرهوا فيه ولقطوا من ثماره فاتّفق انّ واحدا منهم تلمّظ حبّ الغار فنهشته حيّة ، فعلم به ، وحمل إلى منزله . فلمّا عاش ، ولم يعطب ، بحث عن السّبب في خلاصه ، فإذا انّه كان أصاب من حبّ الغار ؛ فجعل حبّ الغار أصلا في عمل التّرياق ، وعلم انّ هاهنا ما يقاوم السّموم ، ويدفع مضرّتها عن الأبدان . وكما حكى جالينوس من قصّة مجذوم كان في بعض قرى اليونانيين ، فإنّ أهل القرية لما تقذّروه وتوقّوا العدوي من علّته ؛ اتّخذوا له خارج القرية كنّا يأوى اليه ، وجعلوا له وظيفة من الطّعام يتصدّق بها عليه . ثمّ انّ جماعة اجتمعوا في تلك الصّحراء على أكل وشرب . فلمّا صبّوا شرابهم ، رأوا فيه حيّة قد تفسّخت . فاتّفقوا على أن وضعوا ذلك الشّراب مع شئ من الطّعام بالقرب من المجذوم ، ليتخلّص بالموت من الحياة المنغّصة . فأكل المجذوم ، الطّعام ، وشرب عليه الشّراب ، وترقّب الجماعة ما يكون من أمره . فما لبث ان رقّ دمه ، وانبسطت الكتل الّتى في بدنه ، وتقشّر منه جلده ، وجميع الفاسد