علي بن الحسين بن هندو

4

مفتاح الطب ومنهاج الطلاب

فأمّا الصّناعات ، فهي خصوصا تفيد الإنسان الشّرف ، وتخرجه عن مشاركة الأغمار من النّاس ، فضلا عن الحيوانات العادمة للنّطق ، وبها يصير الإنسان مطيعا للبارى عزّ وعلا ، ومتخلّصا من وصمة الجور ، وآخذا ببعض أهداب السّعادة المختصّة بالإنسان . فإنّ اللّه عزّ وجلّ لما خصّ الإنسان بمزيّة العقل ، وجعل العقل ذريعة له إلى حسن المعاش في الدّنيا وحسن المعاد في الأخرى ، وعلم انّ كمال ذلك لا يتأتّى له الشّخص الواحد ، بل يضطرّ فيه إلى التّعاون والتّرافد ؛ جعل الإنسان مدنيّا بالطّبع ، وركز فيه شوقا إلى الإستيناس والاجتماع وإلى التّلازم والإتّفاق . والنّاس [ 404 ] المجتمعون في مدينة واحدة ، من سبيلهم أن يزاولوا الصّناعات والحرف ، ويختص كلّ واحد منهم بمهنة أو عمل حتّى ينتفع كلّ واحد بالآخر ، ويصير بعضهم كمالا لبعض ، فتحصل لجميعهم السّعادة الّتى أريدت منهم ، ويكون قد انتهوا إلى غرض خالقهم ، واحتموا من سمة الجور ، بأن يصنع لهم ولا يصنعوا ، ويتعب لأجلهم ولا يتعبوا . فواجب إذا على كلّ انسان أن يتعلّق بصناعة من الصّناعات ، حتّى يكون جزا من أجزاء المدينة ، ولا يأنف من وضيعتها ، إذا لم يتمكّن من الرّفيعة . وذلك انّ المدينة كالبدن الواحد ، وأشخاص النّاس بمنزلة أعضاء ذلك البدن .