يعقوب الكشكري
289
كناش في الطب
تستولي على تلك الرطوبة وتفنيها ويؤول الأمر إلى انطفائها بالجملة لأن القوة الطبيعية التي كانت لها أولا بطلت . فهذه حال حمى الذبول الصحيحة « 1 » . وليس هذا المرض هو العارض الذي يقال له « الذبول » لأن ذلك العارض يعرض للشيخ الفاني من غير حمى بسبب جمود حرارته الطبيعية وانطفائها . وهذا الموت خاصة ، هو الموت الذي يكون بلا أذى وعلى المجرى الطبيعي ويحدث من قبل اليبس لأن أبدان المشايخ تجف وتقحل باستيلاء البرد واليبس عليهم . ومن الذبول نوع آخر يعرض على خلاف المجرى الطبيعي وهو الذي يسميه « فيليفس » « 2 » المتطبب « الهرم » الحادث من المرض « 3 » . فقد رأينا كثيرين قد ابتلوا به ، ليس من الكهول فقط ، لكن من الصبيان والشباب لمّا أن تلاشت الحرارة الغريزية فيهم ، واضمحلت وانطفأت من طول المرض ودوام الوجع . فأما حمى الدق ، فإن البدن في أول زواله وخروجه عن اعتدال مزاجه الطبيعي ولا تكون رطوبته بعد قد فنيت ونفدت ، ولا قوته ضعفت . وإنما يكون قد حدث عليه أولا مثل الغليان في رطوبته وفي ذلك الوقت تكون الحمى أسهل ما يكون علاجها لأن الآفة لا تكون قد هدّت القوة ، ثم من بعد ذلك فإن الرطوبة التي قد غلبت تأخذ في الفناء والاحتراق من ذلك الغليان ولا يزال ذلك يتزيد حتى تفنى رطوبة القلب فيجف ويهزل وتضعف القوة بحسب مقدار ما غلب على القلب من الحرارة واليبس ، فهذا قول جالينوس . وأما الذي ذكره يوحنا بن ماسويه في كتابه في الحميات في حمى الدق فهذا : « هذه الحمى الدق نوعان » « 4 » ؛ - أحدهما يكون من احتراق وحرارة تلزمها حمى دقيقة دائمة فإن أسخنت هذه الحرارة للرطوبة التي في المواضع الحالية من البدن ، يعني ما بين المفاصل وغير ذلك أحدثت « أقطيرس » « 5 » وهو النوع الأول ، وهو سهل العلاج .
--> ( 1 ) ومن علامات حمى الذبول : اشتداد صلابة النبض وضعفه وصغره وتواتره ، وخصوصا إذا كانت أسباب الحمى أوراما لا تتحلل . وظهور دهانة وصفائح في البول ويظهر في العين الغؤور . ( 2 ) فيليفس : طبيب . ( 3 ) ويسميه ابن سينا في القانون : « دق الشيخوخة » معناه استيلاء اليبس على المزاج من غير حمى ، وقد يكون مع اعتدال في الحرّ والبرد ومن علامات الهرم أو دق الشيخوخة : ترى على المرضى علامات الذبول والقشف ، ولا يرى فيهم الاشتعال والالتهاب . لا يكون نبضهم كنبض أصحاب حميات الدق ، بل يكون صغيرا بطيئا متفاوتا ويكون بولهم أبيض رقيقا مائيا . ( 4 ) بالأصل : نوعين . ( 5 ) بالأصل : أقطيقوس .