يعقوب الكشكري
5
كناش في الطب
الباب الأول في تولد الشعر في ساير البدن [ مأخوذ ] من كتاب ابن سرافيون - ثلاثة عشر « 1 » مقالة لما كان غرضنا أن نذكر الآفات العارضة للشعر يجب علينا : أولا : أن نطلب السبب المولد للشعر ثم نرجع فنذكر الآفات العارضة له . وهذه الأسباب هي للشعر كما هي لجميع الأجسام التي في الكون والفساد هو أربعة أسباب أعني : المادة والأفعال والآلة والكمال . فكذلك ينبغي لنا أن نطلب هذه بأعيانها في الشعر . فمادة الشعر هي البخار الدخاني ، وذلك أن أجناس البخار جنسين « 2 » كما تعلمنا ذلك عن أرسطاطاليس . أحدهما : يابس وهو الدخاني ؛ والآخر : رطب وهو الضّبابي . فالبخار اليابس مناسبا للأرض والنار . والبخار الرطب مناسبا للماء والهوي . ومن مثل أن كونهما من هاذين : فمادة الشعر ليست البخار الرطب ، بل البخار الدخاني اليابس . فيقول : إن تولده من مادة حارة يابسة . فأما علّته الفاعلة فهي الحرارة الملهبة للبخار الدافع المخرجة له . وأما علة الآلية فهي المسام في جلد الرأس ، وساير البدن التي تلجج فيها البخار الدخاني لغلظه ، فيتلبد ويصلب فيصير شعرا . وأما علته الكمالية العامية فهي التنقية للبدن - والخلاص من الفضولات الدخانية الغليظة . وأما الخاصية فهي للزينة والجمال بمنزلة شعر اللحية . وأما للتوقية بمنزلة شعر الأجفان والحاجبين . فلذلك صار نبات الشعر في الأبدان الحارة اليابسة كثيرا ، لأن الشعر محتاج في حدوثه إلى أن تستولي على البدن حرارة ويبوسة لكيما تتولد فيه البخارات الدخانية التي هي المادة في تولد الشعر « 3 » . وأما ما كان من الأبدان بارد المزاج أو رطبه لا تنبت الشعر ، بل المزاج اليابس وذلك أنه قد يتبين أن ما كان من البخارين أرطب إن كان لطيف الأجزاء تحلل ، وإن كان غليظا يمتنع من النفود وينعكس راجعا ويستفرغ . فأما ما كان يابسا فيبقى وينضغط فيه ، وكذلك الجلد إذا كان أرطب فإنه يسدد المسام ، ولا يبقى فيها مسام ينضغط فيها البخار .
--> ( 1 ) كذا بالأصل خطأ . ( 2 ) كذا بالأصل تحريف والصواب « جنسان » . ( 3 ) قال أرسطاطاليس في طباع الحيوان ص 123 : فإنه إذا غلظ الجلد كان الشعر أجسى وأغلظ . فأما ما كان منه في أعضاء كثيرة الرطوبة عميقة فهو ألين وأدق وأطول . والشعر أيضا يختلف بقدر اختلاف البلدان الحارة والباردة المزاج ، مثل شعر الناس ، فإن شعورهم في الأماكن الحارة جاسية ، وفي الأماكن الباردة لينة .