بازيار الحسن بن الحسين ( ظنّا )

22

البيزرة

واختلاف التراكيب ، تعجبا من مذاهب الوحش والطير ، في مساعيها لمعاشها ، وتمحلها لأقواتها وما يلحقها حين تقع في الأشراك ، وترتبك في الحبائل ، من الحتوف التي تنصبها لها الأطماع ، ويسوقها إليها « 1 » الحرص ، فأنا من ذلك بين متبلّغ للدنيا ، ومتأهب للآخرة . وهذا كتاب كليلة ودمنة المتعارف بين الحكماء فضله ، المشتملة على الآداب جمله وفصوله ، ذكر واضعه أنه حكمة ألفها ، وجعلها على ألسنة الطير والوحش ، للطف مواقعها من النفوس ، بمقارنة الشكل الحيواني ، وإذا كانت كذلك كانت بالقلوب أمس ، ومن الحفظ أقرب ، وإذا كان لذكرها والحكاية عنها هذا الموضع ، فما ظنك بمشاهدتها ومطاردتها والظفر بما امتنع على الطالب منها . وكانت ملوك الأعاجم تجمع أصنافها ، [ من الحيوان في حظائر ] « 2 » وتدخل أصاغر أولادها عليها وتعرّفها صنفا صنفا منها ، كي لا [ ينسبوا إلى الجهل ] « 3 » إذا كبروا ولم يكونوا رأوها في صغرهم ، فرأوا شيئا منها غريبا سألوا عنه . وأشرف الغذاء الذي تحفظ به الأعضاء وما شاكلها ، وليس شيء أشبه بها ، وأسرع استحالة إليها من اللحم ، وأفضل اللّحمان ما استدعته الشهوة ، وتقبلته الطبيعة بقوة عليه ، ولا لحم أسرع انهضاما ، وأخص بالشهوة موقعا ، من لحم الصيد المطرود المكدود ، لأن ذلك ينضجه ويهرّيه ويسقط عن الطبيعة بعض المئونة في طبخه ، وقد قام في النفس من العشق له ، والتهالك عليه ، والتشوف اليه ، ما لم يقم فيها لغيره من المطاعم ، فإذا وافى الأعضاء وقد تقدمت له هذه المقدمات ، أحالته

--> ( 1 ) في الأصل : اليه . ( 2 ) هذه الزيادة من المصايد والمطارد . ( 3 ) من المصدر نفسه .