محمد بن أحمد التميمي المقدسي

81

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

إليه وتحفة له ، موسوما باسمه الجليل ، ألّا أعدم صوابا آتى به ، وألّا يعدم من يتولّى خدمته فائدة منه ، ونيل درجة يحظى بها لديه ، إن شاء اللّه . وكان السبب الباعث لي على تأليف هذا الكتاب والعناية بهذا الأمر ، أنّي نظرت حال علماء الأطباء السّاكنين بالأمصار الفاسدة الأهوية والبلدان المشهورة بالأوبئة الكثيرة الأمراض ، التي يحدث بها عند انقلابات فصول السنة الأمراض القاتلة والطواعين المهلكة ؛ لأجل فساد أهويتها بمجاورة الأنهار الكثيرة المدود ، والمدائن التي تحدق بها الغدران ومناقع المياه الآجنة ، والمشارب الكدرة التي تتصاعد أبخرتها إلى الجو فتفسده وتغلظه ، مع ما يعضد ذلك ويقّويه من أبخرة الزبول ، ومجاري مياه الحمامات بها ، وأبخرة الجيف من الحيوانات الميتة الملقاة في أقنيتها وظواهرها وعلى ممرّ سالك طرقاتها ، كأرض مصر ودمشق ، والمدن التي تلي سواحل البحار ، ويعظم بها مدود الأنهار مثل بغداد ، والبصرة ، والأهواز ، وفارس ، وسواحل بحر الهند ، كعمان وسيراف ، وعدن ، وما جرى مجرى هذه الأمصار « 1 » العظام التي تجاور البحار وتخترقها الأنهار وتحدق / بها مناقع المياه الرّاكدة والجارية ، وبخاصّ ما كان منها منكشفا لمهبّ ريح الجنوب مكتفلا بالجبال وبأقوار الرّمال عن مهبّ ريح الشمال ، فكان الأولى بالذين يتولّون منهم علاج ملوكها ، وخاصّة رؤسائها وعامّة أهلها أن تكون عنايتهم بمداواة الهواء الفاسد المحدث لوقوع الأوبئة بها ، الجالب الطواعين على سكّانها ، أولى وأوجب من عنايتهم بمداواة ما يتحصّل بذلك من الأمراض المخوفة في أجساد أهلها ، وأن يصرفوا هممهم إلى ذلك ويفرغوا له نفوسهم ،

--> ( 1 ) خ : الأنهار .