محمد بن أحمد التميمي المقدسي

80

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

ولما كانت أنعمه إلىّ شاملة ، وأياديه إليّ واصلة ، من تشريفه إيّاي بخدمته ، ونظره إليّ بعين رعايته ، واصطناعه إيّاي دون ذوي الحرمة به ، فكنت غرس يده العالية ، وغذيّ نعمته النامية ، والمتفيّئ بظلّ دولته - حرسها اللّه من الغير ، وحصّنها من سوء القدر - رأيت [ أن ] أودي « 1 » حقّ من بوأني هذه المنزلة وأفاض عليّ هذه النعمة ، أن أتأتّى لسلامة نفسه النفيسة من الأمراض ، وأتلطّف في استنقاذها من الأعراض ، بتأليف كتاب يبلغ به تعديل مزاجه ودفع الأعراض عن نفسه الجليلة من يتولّى خدمته ويختصّ بالقرب منه ، من شيوخنا المقدمين على علم الطّب على كثير ممّن يشار إليه بالفضل ويحكم له بنفاذ العلم في وقتنا هذا ، على أنّى لست بأعقل منهم - أدام اللّه لهم السلامة - بما أذكره ، ولا بأهدى إلى صواب التّدبير بما أرسمه في هذا الكتاب من أصغر أصاغرهم ، وإن كان لا صغير فيهم ، غير أني رأيت الفاضل / النّبيه غير مستغن عن رأى المفضول في بعض حوادث الأمور ، والدليل على ذلك قول اللّه تعالى جدّه في كتابه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان أعلم الخليقة بمواقع الصّواب من الآراء وأهداهم إلى سبيل النجاة من العمى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ « 2 » ، فأمر اللّه - تبارك وتعالى - بمشاورة من هو من دونه من أصحابه - عليهم السلام - لا لفقر منه إلى آرائهم ، لكن ليعلّمهم بذلك بركة المشورة ، ويهديهم إلى ما يقتدحون به الصواب عند تقادح الآراء ، وأنا أرجو بإقبال الوزير الأجلّ - أدام اللّه علوّه ، وسعادة جدّه ، وعلوّ نجمه ، ويمن طائره - إذ جعلت هذا الكتاب هدية

--> ( 1 ) خ : ادي . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية رقم 159 .