محمد بن أحمد التميمي المقدسي

133

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

فأما فصل الخريف فإن مزاجه بارد يابس مشاكل لطبع المرة السوداء والأرض وهو طبع الموت ، فهذا أكبر الأسباب الموجبة لكثرة الأمراض العفنية فيه . ولكثرتها فيه أيضا سبب آخر هو / أحق به وأولى ، وذلك أن فصل الصيف بشدة حره ويبسه محرق للرطوبات المتولدة في أجساد الناس عند إدمانهم أكل الرطوبات وبخاصّ الفواكه ، فإنها تكثر في إبّان الصيف ، ويستكثر الناس من أكلها فتستحيل رطوباتها في أجسادهم مع رطوبات ما شاكلها من الأغذية المرطبة أعفانا ، ثم إنها تحترق بحر القيظ ويبس مزاجه كمثل ما يحترق الزبل الرطب المكبوس ويصير نارا يأكل بعضه بعضا ، ما دامت تلك الأعفان في أورادهم وباطن أجسادهم في حال الاحتراق ، فأمزجتهم حينئذ نارية مشاكلة لطبع القيظ ، فإذا تناهى احتراقها عند انتقالهم من مزاج القيظ إلى مزاج الخريف برّد تلك الرطوبات العفنة المحترقة المشاكلة لمزاج الصيف أمزجة أجسادهم ويبسها ، ونقلها إلى طبع الرماد الذي هو في البرد واليبس مشاكل لطبع الأرض ، فانتقلوا إلى مزاج الخريف وقد صارت أمزجة أجسادهم مشاكلة لمزاجه البارد اليابس ، فأوجب ذلك فشوّ الأمراض في كثير من الناس ممن مزاج جسمه مشاكل لمزاج الخريف ، وهذه الحال من مشاكلة مزاج الجسد لمزاج الفصل الوارد هي الحال التي يسميها الأطباء تهيؤ « 1 » الأجساد لقبول الأعراض الممرضة .

--> ( 1 ) خ : تهي .