محمد بن أحمد التميمي المقدسي

132

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

فيتحصل باستنشاقه في أجسام ساكني هذه المدائن التي قدمنا ذكرها تلك المدة اليسيرة خمائر أمراض قد خالطت أخلاطهم الغالية ومازجتها فأحدثت فيها أعفانا تنمو « 1 » فيها شيئا بعد شيء ، فإذا تصرم فصل القيظ ودخل فصل الخريف أثمرت تلك الخمائر بانقلاب الهواء من مزاج إلى مزاج ، فولّدت عند ذلك الأمراض ، وأحدثت الأسقام في الأجساد التي أمزجتها مشاكلة لمزاج ذلك الفساد ، وهي التي كانت في الفصل المتقدم متهيئة لقبول تلك الخمائر التي حصلت في أخلاطها فعفنتها وأحالتها أمراضا . وقد قال الفاضل أبقراط « 2 » : « إنّه في الخريف تكون الأمراض أحدّ ما تكون وأقتل في أكثر الأمر ، فأما الربيع فإنه أصحّ الفصول وأقلّها موتا وأسلمها أمراضا » . وإنما صارت الأمراض العفنية وما جرى مجراها من الأمراض الحادة العامية يختصّ بها فصل الخريف دون سائر فصول السنة ويكثر فيه الموت لمخالفة مزاجه لمزاج فصل الربيع ، إذ كان فصل الربيع على رأي جالينوس معتدلا ، فأما على رأي غيره من قدماء الأطباء فإنهم يرونه موافقا « 3 » لمزاج الدم ، والدم عندهم حار رطب وهو حليف الطباع وشكل الحياة .

--> ( 1 ) خ : تنمي . ( 2 ) راجع أبقراط ، المخطوط المذكور سابقا 15 وس 10 - 12 : إن في الخريف تكون الأمراض أحد ما تكون وأقتل في أكثر أيامها ، فأما الربيع فأصح الأوقات وأقلها موتا . ( 3 ) خ : موافق .