محمد بن أحمد التميمي المقدسي
112
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
والنبات ، فالجو المفرط غلظا أو المفرط يبسا أو المفرط بردا أو المفرط حرّا أو المفرط رطوبة أو المنتن الرائحة أو المظلم أو الكدر الغبار ، كل ذلك فاسد ، وإنما يحدث فيه ما ذكرته من الفساد والتغير إلى هذه الكيفيات للذي يصل إليه من الأبخرة المتصاعدة إليه المخالطة له من العنصرين الآخرين اللذين دونه أو من أحدهما ، أيّ ذلك كان أقوى ، فإذا اختلطت قواها أحدث ذلك بخارا فاسدا يفسد له الهواء والماء ، والسبب الموجب لإصعاد ذلك البخار المفسد للجو حركات الكواكب العلوية والنيرين على ما زعمت العلماء ، واللّه أعلم . وذلك أنهم زعموا أنه إذا ثار من الأرض أو من البحر أو من الأنهار أو من العيون بخار ، هاجت لأجل ذلك ريح فأثارت ترابا أو غيره فكان ذلك سببا لفساد الهواء ، ولما كان أشبه أزمان السنة بالجوّ من الربيع إذ الربيع معتدل ، وكان الجو أيضا حارّا معتدلا على ما ذكرت الحكماء ، فإنه وإن تغير الجو في سائر فصول السنة من قيظ أو خريف أو شتاء ، فإنه يكون في الربيع أشد تغيرا ، وذلك أنه إذا فسد الجو في الربيع أحدث أمراضا شتى خبيثة مهلكة . وكما أن الطعام الرديء الجوهر الخبيث والذي فيه السم والماء الرديء الجوهر ، متى أكل منه آكل أو شرب من ذلك الماء شارب أضرّ بآكله « 1 » وبشاربه ، ولم يكد ينجو منه إلا الواحد بعد الواحد في الفرد ممن مزاجه مضاد لمزاج ذلك الفساد ، فهو يقبله قبول المرض للدواء ، فالجو مادة لحياة كل متنفس ؛ وذلك أنه يصل إلى القلب بحركة الرئة للتنفس عند استنشاقنا إياه بالنفس دائما في كل حال وفي كل حين ،
--> ( 1 ) خ : باكاله .