محمد بن أحمد التميمي المقدسي
113
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
وقد يرجع الجو بالتنفس كثيرا فيخرج من المنخرين / بالنفس ، غير أنه ليس خروجه كمثل خروج الطعام الرديء والشراب الرديء والسم المشروب في الشراب بالقيء أو بالمشي ، بل الجو يدخل مدخلا لطيفا ينشب في باطن الأحشاء ، والطعام والشراب الرديئا الكيموس إذا هما خرجا فقد نقي منهما الجوف والأحشاء ، ولم يبق في الجسد منهما ما تخاف غائلته ، فأما الجو الفاسد فإنه إذا خرج منه الجزء بالتنفس رجع إلى الجوف بالتنسم مثله سريعا ، فلأجل ذلك متى فسد الجو أمرض الأجساد وأثار كل علة وإن لم يكن هو مسببها . وكذلك إذا أتخم الإنسان ، أو نصب ، أو لقي بعض ما يؤذيه فأمرضه ذلك ، فإنه من فساد الجو أوشك مرضا . وقد أكثر الأولون من الأطباء الذين كانوا يخبرون أمر الجو الكلام على الجو ، وأطنبوا فيه ، وبخاصّ هبوفقراطيس « 1 » ، فإنه وضع كتابا على الجو والماء ، وكانت العلماء من الأطباء الذين كانوا يخبرون تصاريف أحوال الجو ، متى رأوا فيه تغييرا موجبا لفساد عالجوا بما كانوا يرون أنه ينفع مما يحدث ذلك الفساد قبل نزول الحدث ، من قطع عرق أو إسهال أو سائر ما يرون أنه ينقي البدن ويحرره « 2 » ، ويدفع عنه ضرر ذلك الفساد . واعلم أن جميع الناس من الأصحاء والمرضى قد يتأذون من فساد الجو ، ويضر ذلك بهم ، إلا اليسير منهم ، وسأذكر الجو الفاسد الذي يحدث الأمراض المعطبة المهلكة على نسق ما ذكرت الحكماء .
--> ( 1 ) هبوفقراطيس : هو أبقراط والكتاب هو كتاب الأهوية والبلدان والمياه . ( 2 ) خ : محررة .