أحمد بن سهل البلخي

70

مصالح الأبدان والأنفس

وفي هذا الرد من أبي القاسم المعتزلي إشارة إلى دفع تهمة مشتركة عنه وعن أبي زيد ، وهي طغيان الاتجاه العقلاني الذي تلاقت عنده فلسفة أبي زيد باعتزال أبي القاسم . وأما مذهبه الفلسفي ، فقد ذكر الشهرستاني أنه من فلاسفة الإسلام الذين سلكوا طريقة أرسطاطاليس في جميع ما ذهب إليه وانفرد به ، سوى كلمات يسيرة ربما رأى فيها رأي أفلاطون « 1 » . وأما تشيعه ، فقد حكى ياقوت - نقلا عن كتاب أبي سهل أحمد بن عبيد اللّه ابن أحمد في أخبار أبي زيد البلخي - أن أبا زيد تعمّق في علم الفلسفة ، وهجم على أسرار علم التنجيم والهيئة ، وبرز في علم الطب والطبائع ، وبحث عن أصول الدين أتم بحث وأبعد استقصاء ، حتى قاده ذلك إلى الحيرة ، وكاد أن يزلّ به عن النهج الأوضح ، فكان تارة يطلب الإمام ، ومرة يسند الأمر إلى النجوم والأحكام ، ثم إنه لما كتبه اللّه في الأول من السعداء ، وحكم بأنه لا يتركه يتسكع في ظلمات الأشقياء - بصّره أرشد الطريق ، وهداه لأقوم السبل ، فاستمسك بعروة من الدين وثيقة ، وثبت من الاستقامة على بصيرة وحقيقة « 2 » . إن ما ذكره أحمد بن عبيد اللّه - وهو قريب عهد من أبي زيد - من أن أبا زيد استمسك بعروة من الدين وثقى ، بعد أن كان متحيرا بين طلب الإمام وإسناد الأمر إلى النجوم ، يؤكد لنا رجوع أبي زيد إلى عقيدة السنة وتمسّكه بها . وقد أشار إلى ذلك أبو الحسن الحديثي فقال : « كنا عند أبي بكر البكري وقد قدمت المائدة وأبو زيد يصلي ، وكان حسن الصلاة ، فضجر البكري من طول صلاته ، فالتفت إلى رجل من أهل العلم ، وهو أبو محمد الحجنديّ فقال : يا أبا محمد ، ريح الإمامة بعد في رأس أبي زيد ، فخفف أبو زيد الصلاة وهما

--> ( 1 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 2 / 158 ، 159 . ( 2 ) الحموي ، معجم الأدباء 3 / 73 .