أحمد بن سهل البلخي

562

مصالح الأبدان والأنفس

تلك الأدوية ، وتطلبها وتأخذها وتجلبها « 1 » من المواضع البعيدة ، والبلدان النائية في البرّ ، وجزائر البحار ، وشاطئ الأنهار ، ورؤوس الجبال ، ومن بطون الأدوية والبحر إلى الأمصار / والأسواق حتى تجتمع عند باعتها . ثمّ ألهم خلقا آخرين العناية باستنباط صناعة الطبّ التي لا يشكّ صاحب النظر إذا بحث عن أمرها ، أنّ أوائلها مأخوذة من وحي من قبل السماء ، أو إلهام يقوم مقام الوحي ، حتى ركّبوا بقوّة هذه الصناعة تلك الأدوية بأوزانها العجيبة الحرز « 2 » ، ومقاديرها اللطيفة المأخذة ، وخلّدوها في الكتب لمن بعدهم . وإنّه لا ينبغي أن يتوهّم أنّ هذه من الصنفين جميعا - أعني الجالبين للأدوية والمركّبين لها - كانت عبثا ، أو لغير معنى ، ولا طائل ، ولا جدوى ، بل ينبغي أن يعلم أنّه تسخير من اللّه - عزّ وجل - لينفع خلقه بما هداهم له ، وألهمهم إيّاه ، وأنّه إذا كان كذلك فمن الواجب أن يكون كلّ داء قوبل بدوائه لا بدّ من أن يشفيه ، و « 3 » أن يكون موقع الدواء من الداء في الإبراء موقع الطعام من الجائع في الإشباع ، وموقع الماء من العطشان في الإرواء ؛ إذ كان الذي / خلق الغذاء هو الذي خلق الدواء ، وكانا معا علّتين للسلامة والبقاء ، ويعلم أنّ المريض إنّما يقوّيه البرء ما لم يبلغ حال الهرم والبلى ، ولم يدفع إلى شامل من الأوباء بأحد ثلاثة أوجه : إمّا أن يكون في وقت صحّته سيّئ الأدب في أمر بدنه ، وتناول الأغذية من المطاعم والمشارب حتى لا يبالي ما أخذ منهما ، وفي أيّ وقت يتناوله ، وبأيّ مقدار يأخذه ، فتجتمع في بدنه - لسوء أدبه وإهمال المعالجة - فضول كثيرة تولّد أمراضا صعبة عليه .

--> ( 1 ) في ب : لتتبّع تلك الأدوية ، وتطلّبها وأخذها وجلبها . ( 2 ) حرزه حرزا : صانه ( المعجم الوسيط 1 / 166 ) . ( 3 ) ساقطة في ب .