أحمد بن سهل البلخي

556

مصالح الأبدان والأنفس

حفله به - فكذلك يجب أن يكون مع معرفته بأنّه شيء وقع له في الطبع الأقدم ، والمزاج الأوّل ، ثمّ تخفّ غائلته - وأشعر « 1 » قلبه أنّه شيء لا مكروه عليه منه . وذلك - أيضا « 2 » - شبيه بحال من يتأذّى بالأحلام الهائلة التي يخاف سوء تأويلها ، فإنّ من لم يكن « 3 » من عادته أن يراها دائبا ، ثمّ رأى شيئا منها ، لم يستكره له أن يرتاع لما يراه منها ، ويشتغل قلبه به ، فأمّا إذا صار رؤية الأحلام الهائلة عادة له ، وكثرت تجاربه لها ، ولم يتعقّب لشيء منها تأويلا مكروها ، وجب عليه ألّا يكترث - بعد معرفته بأنّ ذلك شيء وقع له بالطبع والمزاج - « ب » شيء ممّا يروع / ويهول منها ، فتكون هذه الفكرة إحدى الفكر التي تقابل بها خواطره الرديئة . ومنها أن يفكّر في أنّ اللّه - تبارك وتعالى - جعل لكلّ ما يكوّن ويفسد وينشأ ويبلى ممّا يخلقه في هذا العالم من النبات والحيوان وغيرهما عللا وأسبابا ، فلا يصلح شيء منها إلا لسبب يكون مقدّمة لصلاحه ، ولا يفسد منها إلا لسبب يكون مقدّمة لفساده ، وأنّ هذا هو الأصل الذي رتّب عليه العالم ، وهو حكم مستمرّ ، وأمر صحيح بالمشاهدة في كلّ ما يعتبر ذلك فيه من جماد أو نبات أو حيوان . ومثال ذلك أنّا لم نر قطّ بنيانا قائما على أصله ، فانهدم دفعة من غير أن يعرض له في ذاته عارض يشعّث أو يصدّع ، أو تداعى قبل انهدامه ، ومن غير أن يقصده قاصد بالهدم من خارج . وكذلك لم نر « 4 » قطّ مصباحا موقدا لم تحترق فتيلته ، ولم تفن مادّته من الدهن ، ووصل إليه منها القدر الذي تحتاج إليه الفتيلة / من غير كثرة تغرقه ، أو

--> ( 1 ) وأشعر : معطوفة على : قلّ حفله به . ( 2 ) ساقطة من أ . ( 3 ) في أ : تكن . ( 4 ) في أ ، ب : ير . والصواب ما أثبت .