أحمد بن سهل البلخي
557
مصالح الأبدان والأنفس
قلّة تجفّفه ، ولم يعرض لها عارض من خارج بإطفاء مطف من ماء ، أو ريح ، أو نفخ نافخ ، أو غير ذلك من وجوه الإطفاء « 1 » . فكذلك حياة الإنسان لا يجوز أن تبطل فجأة من غير أن يعرض لها عارض من داخل أو خارج يفسدها ما لم يبلغ مبلغا من الهرم والفناء اللّذين لا بدّ منهما في آخر الأمر ؛ فالمصباح في التمثيل هي الحياة ، والفتيلة هي الجسم ، والدّهن هو الغذاء ، والأعراض المطفئة للمصباح هي الآفات التي تصيب الإنسان من خارج ، مثل : الحرّ ، والبرد ، والضرب ، والصدم ، والجرح ، وما أشبهها . فإذا تحرّز الإنسان من الآفات التي تنال من خارج وتوقّاها ، وتدبّر نفسه في غذائه من مطاعمه ومشاربه ، وفي مرافق حياته التدبير الأفضل ، ولم يفن جسمه الذي هو نظير الفتيلة بالبلى والهرم ، لم يكن لبطلان حياته معنى ، ولم يجز ذلك في العقل ، كما لا يجوز بطلان / ضوء المصباح من غير أن يكون لطفوئه « 2 » مقدّمة من الأشياء التي وصفناها ، فتكون هذه الفكرة ممّا يقابل به الخواطر الرديئة المعترضة على الإنسان في خوفه على حياته وبقائه . ومنها أن يفكّر في أنّ كلّ شيء من الأشياء التي تكوّنت بأسباب وعلل ، فإنّه يتهيّأ الوقوف بالحكم الجليل على ما أسّس عليه في طباعه من طول مدّة أو قصرها ، وإسراع الحوادث المتلفة له وإبطائها عنه ، ويوجد لذلك أمارات من نفس تركيبه . والمثال في ذلك أنّا إذا رأينا بنيانا قويّا أركانه ، وثيقا أساسه ، كثيفا حيطانه ، معمولا من طين حرّ ، ليست فيه سبخيّة ولا رمليّة ، استدللنا من صنعته على تطاول مدّة عمارته ، وإبطاء أسباب التداعي والتهدّم عنه ما لم يعرض له من
--> ( 1 ) في الكلام اكتفاء دلّ عليه ما قبله . والمراد : لم نر مصباحا موقدا فانطفأ دون أن يعرض له عارض مما ذكر . ( 2 ) طفئت النار ونحوها طفئا ، وطفوءا : خمدت ( المعجم الوسيط ط ف أ 2 / 559 ) .