أحمد بن سهل البلخي
555
مصالح الأبدان والأنفس
وقت ما تهجس في ضميره ، ويجعل هذه الفكرة إحدى عدد مجاهدته إيّاها . ومنها أن يفكّر بعد ويجاهدها بقوّة عقله ، لينفيها عن ضميره ، في أنّ كلّ شيء يعرض في خلده من سوء الظنّ بنفسه وبأسباب حياته ، ثمّ لا يجد أحوال الذين سواه من طبقات الناس مشابهة لحاله في إشغال قلوبهم منه بما يشتغل به قلبه ، واكتراثهم بما يكترثه ، وارتياعهم لما « 1 » يروعه منه ، فإنّ ذلك الخاطر شيء لا أصل له ، وهو نوع من الوساوس التي تقدّم ذكرها ؛ وذلك أنّ من طبائع الناس أن تستملّهم المخاوف الحقيقيّة التي تقرب منهم مثل المعاني التي عدّدناها ، / فإذا وجدهم أخلاء « 2 » مما يعنيه ويهمّه [ به ] ممّا يجد لها فيه شركاء من الذين يعنيهم من أمر حياتهم مثل ما يعنيه ، ويهمّهم منه مثل ما يهمّه ، فتكون هذه الفكرة إحدى حججه على خواطره الرديئة ، وظنونه السيّئة . ومنها أن يفكّر في أنّ كلّ عرض يعرض للنفس من الظنون السيّئة والفكر الرديئة ممّا لا يكون له في الظاهر سبب معروف يوجبه ، ثمّ يخالفه ذلك العرض ، ولا يزال يعاوده في عامّة أوقاته ، وأكثر أحواله ؛ فإنّه شيء عرض له بطبعه ومزاج بدنه . وإنّ ما امتزج بطبيعة الإنسان من الأعراض النفسانيّة ، فهو خليق ألا يخافه ولا يلتفت إليه « 3 » ، كما جرت العادة به في الأعراض البدنيّة من أنّ الإنسان لا يكاد يكترث لما يعلم أنّه شيء آلف لطبيعته ، وذلك أنّه قلّما يوجد أحد من الناس إلا وهو ممتحن لعرض من الأعراض البدنيّة يقع له في مزاجه وأصل / مولده ، ولا يزال يعاوده في الأوقات ؛ فإنّ الإنسان إذا رأى ذلك العرض يكثر اعتراؤه إيّاه في عامّة أحواله ، ثمّ لا يناله منه آفة تعظم عليه ويعجزه احتمالها ، قلّ اكتراثه له بعد تجربته إيّاه في سلامته عليه ، واحتمل ألمه ، وقلّ
--> ( 1 ) في ب : بما . ( 2 ) الخلو : الفارغ البال من الهموم . ( ج ) أخلاء ( المعجم الوسيط خ ل و 1 / 254 ) . ( 3 ) في أ ، ب : لمن لا يخافه ولا يلتفت إليه ولعلها كما أثبت .