أحمد بن سهل البلخي
551
مصالح الأبدان والأنفس
فصاحب هذا العرض متى ما رجع إلى ذكره ، ذهبت به « 1 » إلى وساوسه التي تغلب عليه ، وصرفها إليه « 2 » ، فتضاعف عليه التأذّي بها في تلك الحال التي هي حال الوحدة والانفراد . وإذا كان مع الناس متشاغلا لمخاطباتهم قلّت ، ولم يكن لها التأثير القويّ في ضميره . ومن أجل ذلك ذمّ الانفراد ، واستحبّ للإنسان أن يكون معاشرا للناس ، مشتغلا بمحاورتهم ومناسمتهم « 3 » . وإنّما يحمد الانفراد إمّا للذي يكون سلطانا ، فلأن يكون انفراده برأي ترتيبه في مصالح ملكه وسلطانه ، وإمّا لصاحب حكمة ، فلاستنباط علم من أنواع العلوم واستخراجه وتأليفه ، وإمّا لصاحب نسك وعبادة / ، فلتفرّده بمناجاة ربّه عزّ وجلّ ، والتعبّد له ، فما خلا هذه الوجوه من أبواب الانفراد فمذموم ؛ لأنّه يبعث على فكر لا يكون لها طائل ولا محصول . ومن أجل ما جعل اللّه للإنسان من الأنس في الاجتماع مع أهل جنسه حبّب ذلك إليه ، وقصر همّته عليه ، وجعل يفرّحه ويسلّيه عن غمومه وأحزانه ؛ فليس يشذّ عن هذا الطبع من المائلين إلى التوحّش وطلب الانفراد إلّا من عرض له في طباع الإنسانيّة باب من أبواب النقص ، وفساد التركيب ، بهما يباين « 4 » أهل جنسه فيما يميلون إليه من طلب الأنس . وهذا خلق موجود في أصناف الحيوان التي طبائعها أفضل وأهدى وأسكن ، نعني طلب الاجتماع مع ذوات جنسها كبهائم الأنعام ، وبهائم الطير . فأمّا التي تطلب الانفراد والتوحّد ، فالسباع من الصنفين التي تغلب عليها الوحشة ، وشراسة الأخلاق ، وصعوبتها / . ولما في الاجتماع من النفع والدّرك ، كره للإنسان الانفراد في متصرّفاته
--> ( 1 ) أي : نفسه . ( 2 ) أي : وصرف نفسه إلى هذا العرض . ( 3 ) ناسمه : حادثه وسارّه ( المعجم الوسيط ن س م 2 / 919 ) . ( 4 ) في أ ، ب : تباين . والصواب ما أثبت .