أحمد بن سهل البلخي
552
مصالح الأبدان والأنفس
وأسفاره ، حتى قيل : « إنّ الواحد شيطان » « 1 » . وذكر في الأخبار ما ذكر من الآفات التي أصابت قوما سلكوا الطريق ، وتوغّلوا المفاوز « 2 » ، منفردين عن الرفقة والأصحاب ؛ بين هائم منهم ، أو مغتال ، أو ممتحن ببليّة من البلايا . فلذلك قلنا : إنّه يجب على صاحب هذا العرض أن يتجنّب الانفراد والوحدة ؛ لئلا تتسلّط عليه الفكر الرديئة ، والظنون السيّئة . ومنها أن يتجنّب الفراغ ، فإنّه نظير الوحدة في مضاعفته على صاحب هذا العرض التأذّي بالفكر ، وإثارة ما يثيره عليه منها ، وذلك أنّه لا بدّ للإنسان من أمر يشتغل « 3 » ويقطع أيّامه به ، فمتى لم يكن له شغل من خارج ، مالت نفسه إلى الاشتغال بشيء من داخل ، وهو التفكير ؛ فمن شأن صاحب هذا العرض أن يرجع عند فراغه بفكره إلى الخواطر التي يتأذّى « 4 » بها . وكذلك يجب على / كلّ من يشكو هذا الباب أن يديم الاشتغال بأمر ما ؛ إن كان من سوق الناس فبطلب معاشه ، وصرف اهتمامه إلى مكاسبه ، وإن كان من الملوك فبالإقبال على مصالح سلطانه ، وارتياء الآراء ، وإبرام التدبير فيها ، وإيراد ما يورده ، وإصدار ما يصدر منها ، وإذا ملّ ذلك النوع صرف الفاضل من أوقات ليله ونهاره إلى قضاء أوطاره من لذّات المطاعم والمشارب والمناكح والسماع المحرّك لقوى النفس ، والنظر إلى الصور الحسان الجميلة ، فإنّ لكلّ ذلك حظّا من شغله إيّاه عن التفكير فيما يتأذّى به من أحاديث النفس وخواطرها .
--> ( 1 ) طرف حديث شريف ، نصه : « الواحد شيطان ، والاثنان شيطانان ، والثلاثة ركب » . قال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ( انظر الحاكم ، المستدرك 2 / 112 ) . ( 2 ) المفازة : الفلاة لا ماء بها ، سميت بذلك ؛ لأنها مهلكة ، من فوّز ؛ أي : هلك ، وقيل : سمّيت بذلك تفاؤلا بالسلامة والفوز ( مختار الصحاح ف وز 620 ، والقاموس المحيط ف وز 1 / 717 ) . ( 3 ) في ب : يشغل . ( 4 ) في أ : تتأذى .