أحمد بن سهل البلخي
539
مصالح الأبدان والأنفس
والأخرى من داخل / . أمّا التي من خارج فوعظ الواعظين ، وتذكير المذكّرين ؛ فقد قلنا فيما تقدّم : إنّ ذلك هو طبّ الأعراض النفسانيّة ، وإنّه نظير الأشياء التي يعالج بها الطبيب في الأعراض الجسمانيّة من الأسقية والأدوية . وأمّا التي من داخل فأبواب من الفكر يروض بها الإنسان نفسه ، ويجعلها سلاحا وعدّة لصرف الغمّ والحزن عن نفسه إذا اعتراه شيء منها لفقد محبوب ، أو تعزّز « 1 » مطلوب . فمن تلك الأبواب أن يفكّر فيما يمكن أن يعقبه « 2 » الحزن المفرط من علّة بدنيّة ترجع بأعظم الضرر عليه ، فلا يرضى - مع معرفته بذلك - أن يقنّع « 3 » نفسه - التي هي المحبوب الأجلّ - محبوبا سواه يفقده من أهل أو مال أو شيء ممّا يضرّ به « 4 » ، ويشاحّ عليه « 5 » ؛ وهو ربّما يريد كلّ شيء من المحبوبات لمكان هذا المحبوب الأعظم الذي هو النفس ، فيعمل بإفراط التحزّن في تلفها ، ويفيت به الأصل الذي كان ما فقده / فرعا له ، فيكون كمن يبيع ربحا يفوته برأس ماله كلّه ، وذلك هو أعظم الغبن ، وأبين الخسران ! ومنها أن يفكّر فيما عليه بنية الدنيا وتأسيسها من أنه لا يصفو لأحد فيها عيش على تمام إرادته ومحبّته ، حتى لا يفقد محبوبا ، ولا يتعذّر عليه مطلوب ، وأنّه إذا كان كذلك ، فإنّ كلّ ما حصّله فيها من محبوب أو صفاء عيشة ، فهو فائدة وغنيمة ، فإنّه متى أنزلها من نفسه هذه المنزلة طاب له الاستمتاع بكلّ ما يخلص له من لذّة ، ولم تعظم حسرته على ما يفوته من طلبته ، وطابت له عيشته مدّة حياته في هذه الدنيا .
--> ( 1 ) في ب : تعذر . ( 2 ) في أ : ألا يعقبه . والصواب من ب . ( 3 ) قنّعه : رضاه ( القاموس المحيط ق ن ع 2 / 1014 ) . ( 4 ) في ب : يضن به . ( 5 ) شاحّ فلانا : خاصمه وماحكه ( المعجم الوسيط ش ح ح 1 / 474 ) .