أحمد بن سهل البلخي
540
مصالح الأبدان والأنفس
ومنها أن يفكّر في أنّه متى عدم من نفسه قوّة الصبر على رزيّة من الرزايا ، كان ذلك أعظم الرزيّتين عليه ؛ وذلك أنّ الدنيا مملوءة من الحوادث والنوائب ، فإذا كان من شأن الإنسان أن [ لا ] يستقلّ « 1 » قوّته باحتمال تلك الحوادث ، لم يزل في رزايا متتابعة تتضاعف عليه ، وإذا راض / نفسه بترك الجزع ، فقد حسم بذلك مروة « 2 » الرزايا المستقبلة عن نفسه ، فلا يرضى بأن يجعل بقلّة « 3 » الصبر الرزيّة الواحدة رزايا كثيرة ، بل يخطب من يجعل الرزايا الكثيرة رزيّة واحدة ، ليستكمل بذلك السعادة . ومنها أن يفكّر في أنّ إسلام النفس إلى الحزن والجزع في النوازل والحوادث من فعل أهل الخور والفشل الضعاف الطبائع كالنساء والصبيان ، وأنّ التجلّد والتصبّر عليها من مذاهب أهل الحزم والكمال الذين أبقوا لأنفسهم الأخبار المأثورة بما أخذوا أنفسهم به من التجلّد على النوائب ، والتلقّي لها بالصبر والاستسلام ، فبقيت لهم بذلك الأحاديث الجميلة ، وصارت مآثر لهم من بعدهم يثنى بها عليهم ، فلا يرضى لنفسه بأن يختار ذلك المذهب الذميم الذي هو مذهب أهل العجز والنقص ، على هذا المذهب الشريف الذي هو مذهب أهل الحزم والفضل والكمال والنّبل / . ومنها أن يفكّر في أنّ نفسه إذا كانت هي الأصل - كما ذكرنا - « 4 » ولها يريد كلّ محبوب ، وبسبب بقائها يتكلّف كلّ مطلوب ، متى سلمت له ، فكلّ ما سواها صغير مع بقائها ، لا يجب الانخزال « 5 » له ، واستشعار الحزن الشديد لفقده .
--> ( 1 ) استقلّ الشيء : تقلّله ( المعجم الوسيط ق ل ل 2 / 756 ) . ( 2 ) يقال : قرع الدهر مروة فلان : أنزل به البلاء ( المصباح المنير م ر و 985 ) . ( 3 ) في أ : نقله . والصواب من ب . ( 4 ) كما ذكرنا : ساقطة من أ . ( 5 ) انخزل عن الأمر : ارتد وضعف ( المعجم الوسيط خ ز ل 1 / 232 ) .