أحمد بن سهل البلخي
513
مصالح الأبدان والأنفس
ابتلي به أو دفع إليه ؛ فإنّ هذه هي السبيل في رياضة الأبدان ، وهي السبيل في رياضة الأنفس . والمعنى الآخر : أن يعرف بنية نفسه ، ومبلغ ما عندها من الاحتمال للأمور الملمّة الواردة عليه ، فإنّ لكلّ إنسان مقدارا من قوّة القلب أو ضعفه ، وسعة الصدر / أو ضيقه ؛ فمن الأنفس ما يوجد فيه محتمل للخطوب العظيمة ، حتى لا يقدحه شيء منها ، ولا يضعف متنه ، ومتّسع لأشغال كثيرة مهمّة حتى يتفرّغ لكلّ منها ، ويقابله بما يخفّف عنها من الحيل ، ومنها « 1 » ما يوجد فيه من الانخزال لكلّ ما يفجؤه من الهموم ، حتى تدهشه وتحيّره وتجعله وشيك انحلال القوّة من كلّ ما يلمّ به من النوائب ، حتى تكربه « 2 » وتضيّق عليه مذاهب التصرّف والاحتيال ، وحتى تؤدّيه إلى حالة تعقبه علة في البدن مضرّة به . 2 / 2 / 3 : فإذا عرف الإنسان طبيعته ومنتهى قوّتها ومبلغ استقلالها بالأمور ، بنى على حسب ذلك تدبيره في مطالبه ومقاصده ، ملكا كان أو سوقة ؛ فإن وجد نفسه مستقلّة بعظائم الأمور ، مقوية بجلائل الخطوب ، تعرّض لذلك ، وإن أحسّ منها برقّة بنية ، أو ضعف تركيب في أغراضه ومقاصده ، تجنّب وجوه المخاطرات وأنواع التغريرات ، / وما يتعاطاه ذوو الأنفس القويّة ، والصدور الواسعة ، والطبائع المستحصفة ، وجعل غرضه فيهما غرض من يكون تحصيل « 3 » سلامة النفس ودعتها وراحة القلب وطمأنينته - مع فوت كثير من الآمال والرغائب - أحبّ إليه ، وآثر عنده من نيل أوفر الحظوظ منها مع ركوب المخاطرة ، وحمل النفس على التغرير والتعرّض لما إن دفع في عقباه إلى خلاف ما يحبّه ، ضاق به « 4 » صدره ، وقلقت له نفسه ، « و » لم يأمن إيصاله بضرر عظيم
--> ( 1 ) أي : من الأنفس . ( 2 ) في ب : تكرثه . والصواب من أ . ( 3 ) في أ : من يحصّل . والصواب من ب . ( 4 ) ساقطة من أ .