أحمد بن سهل البلخي
512
مصالح الأبدان والأنفس
أحدهما : أن تصان عن الأعراض الخارجة التي هي ورود ما يرد عليها من الأشياء التي يسمعها الإنسان أو يبصرها ، فتقلقه وتضجره ، وتحرّك منه قوّة غضب أو فزع أو / غمّ أو خوف وما أشبه ذلك . والآخر : أن تصان عن الأعراض الداخلة التي هي التفكير فيما يؤدّيه إلى شيء ممّا وصفنا من هذه الأعراض ، فيشغل قلبه ، وينقسم ضميره . وليس يتهيّأ له ذلك إلا لمعنيين : أحدهما : أن يشعر قلبه وقت سلامة نفسه وسكون قواها ما أسّست وجبلت عليه أحوال الدنيا من أنّ أحدا لا يصل فيها إلى تحصيل إرادته ، ونيل شهواته على سبيل ما يتمنّاه ويهواه ، من غير أن يشوب كلّا من ذلك شائبة تنغّص وتكدّر ، أو يعرض له فيه عارض أذّى أو مكروه ، ويعلم « 1 » أنّ هذا هو ما استمرّ عليه الطباع ، وجرت به العادة ، فلا يطلب من دنياه ما ليس في أصل بنيتها ، ويدع - لمعرفته لذلك - الاستقصاء في وجوه معاملاته ومعاشراته لمن هو فوقه أو مثله أو دونه ، ويتغافل عن كثير من الأمور التي ترد عليه بخلاف مراده ومحبّته ما وسعه ذلك ، وجاز أن يغضي / عنه ، ولا يعوّد نفسه أن يضجر لكلّ صغير من الأمور التي يسمعها أو يبصرها ، ويسير من الحوادث التي تقع بكراهته ، فإنه إذا عوّد « 2 » احتمال الصغير ومقارّة النفس عليه صار ذلك عادة له في احتمال ما هو أجلّ شأنا ، وأعظم خطبا ، من المهمّات التي تبدهه ، والمكاره التي ترد عليه . ويكون حاله في ذلك حال من يمرّن نفسه على احتمال الأذى اليسير من الحرّ والبرد وآلام النكبات ، وترك « 3 » إظهار الجزع لكلّ منها ، حتى تستمرّ طباعه على ذلك ، ويصير احتمال اليسير منها سببا لاحتمال ما هو أكثر وأعظم منه إذا
--> ( 1 ) ( ويعلم ) معطوفة على ( أن يشعر قلبه ) . ( 2 ) بمعنى تعوّد . ( 3 ) ( وترك ) معطوفة على ( احتمال ) .