أحمد بن سهل البلخي

449

مصالح الأبدان والأنفس

كثيرا من الأطباء - بمنعهم عن تعاطي / الباه ، والإشارة بتركه أصلا ، أو في أكثر الأوقات - إلى مذهب مخالف للصواب ، وحتى أحلّوه محلّ الشيء الضارّ الذي لا منفعة فيه ، والمفسدة التي لا مصلحة [ لها ] معها . وذلك شبيه بمذهبهم في الإشارة بلزوم الاحتماء ، والإقلال من الطّعم في كلّ الأحوال والأوقات ، وإيجابهم أنّ ذلك ممّا يعين على دوام الصحّة وطول العمر ، وأنّ الحكم في الباه هذا الحكم ، من إيجاب تركه والإقلال منه ، ما يوجبه الاحتماء والإقلال من الطّعم من طول العمر ودوام الصحّة . ولو رجعوا إلى صواب النظر لعلموا أنّ الأشياء الطبيعيّة التي تلزم الحاجة إليها في بقاء الأبدان والأنفس لا يجوز أن يؤمر بالإقلال منها أمرا جزما ؛ إذ كان الضرر الذي يستعقب عمّا ينقص من مقدار الحاجة منها في وزن الضرر الذي يستعقب من الزيادة على قدر الكفاية منها ، إن كان ذلك في باب المطعم والمشرب ، أو الباه ، / وغيرها من الحاجات الطبيعيّة . وإذا كان كذلك فالواجب في تدبير الغذاء والباه أن يعطي الإنسان بدنه من كلّ منهما قدر ما يحتاج إليه ، فإنّ من الناس من يضرّ به قلّة الطّعم ، إضرارا مؤدّيا إلى علل من النحول والذبول وتسلّط الحرارة ، وكذلك منهم من يؤدّيه حبس فضلة المنيّ وترك إخراجها إلى علل فظيعة . ومن أبين الدلالة على لزوم الحاجة إلى إخراج ما يجتمع منها ونفضه عن البدن ما نشاهد من أحوال المراهقين الذين يبلغون الحلم من الغلمان فيما يعرض لهم من الأعراض الدالّة على فضلة محتقنة مولّدة للأبخرة الرديئة ، محتاجة إلى النفض والإخراج ، ولقوّة تأثيرها احتالت الطبيعة لإخراجها وتنقية البدن منها بالاحتلام في وقته ، وأقوى ما وصفناه في الدلالة على لزوم الحاجة إلى إخراج هذه الفضلة في وقتها ما نعاينه من أحوال الحيوانات التي تغتلم « 1 » ، ويجيء

--> ( 1 ) اغتلم : غلب شهوة ، والغلمة : شهوة الضّراب ( القاموس المحيط غ ل م 2 / 1504 ) .