أحمد بن سهل البلخي

417

مصالح الأبدان والأنفس

يظهر في وقت شربه على المكان ؛ وذلك كما نجده يحدث « 1 » في العروق من إدرارها ، وفي الألوان من تغييرها ، فيستدلّ بذلك على أنّه قد تمّ فعله في تلك المدّة القصيرة من الزمان . والقوّة التي يستفيدها الإنسان الضعيف من شربه هو شيء يحسّه من ساعته ، فهذه منفعته الظاهرة في الأبدان ، المساوية لمنفعة اللّحم ، بل الزائدة عليها . وأمّا منفعته للأنفس فهي ما يفيدها السرور والنشاط ، وذلك شيء خاصّ له دون ما سواه من الأطعمة والأشربة ؛ لأنّه ليس شيء منها تتعدّى لذّته الجسد إلى النفس فيفيدها من فرط السرور / والنشاط والأريحيّة والاهتزاز وغنى النفس ورحب الذراع والتخلّي من الهموم والأحزان ما يفيدها هذا الشراب . ومن تلك الفضائل أنّه يفعل في قوى النفس أفعالا عجيبة بإظهاره منها ما لا يرى موجودا فيها قبل شربه مثل قوى الشجاعة والسخاء ؛ فقد علم أنّها من أشرف قوى الإنسان ، وإن لم يكن الشراب منه يشجّع الإنسان الجبان ويسخّي « 2 » البخيل . وبزيادته بعد فيما يكون موجودا فيه منها ، مثل قوّة الفهم والحفظ والذهن ودرابة « 3 » اللّسان وحدّة الخواطر ، فقد علم أنّ هذه الفضائل تتزيّد فيه إذا بلغ الحال المتوسّطة في الشرب ، ومن قبل إفضائه إلى السكر . ومن تلك الفضائل أنّه الشيء الذي جعل سببا لاجتماع المتحابين من الإخوان عليه للمحادثة والمؤانسة ، والاجتماع أشهى لذّات النفوس إليهم ، وهو الأمر المحبّب إليهم بالطباع ، فأنفسهم تميل إليه في أحوال السرّاء والضرّاء ، / ووجوه العوائد والنوائب ، وإذا اجتمعوا للسرور فالشراب الذي « 4 »

--> ( 1 ) في أ ، ب : يحدثه . والصواب ما أثبت . ( 2 ) السخي : الجواد ، وتسخّى : تكلف السخاء ( القاموس المحيط س خ و 2 / 1697 ) . ( 3 ) الدّربة : بالضم ، عادة ، وجرأة على الأمر والحرب ، كالدّرابة ، بالضم ( القاموس المحيط د ر ب 1 / 160 ) . ( 4 ) الذي : خبر ، والتقدير : الشراب هو الذي يفيدهم .