أحمد بن سهل البلخي

418

مصالح الأبدان والأنفس

يفيدهم في مجلس الشراب الاجتماع ، ويستديمه لهم إلى انقضائه . فأمّا الطعام - خاصيّا كان مثل الدعوات ، أو عاميّا نحو الولائم - فإنّه إذا اجتمع جمع « 1 » من الناس ، قضوا أوطارهم منه ، ولم يكن لهم شراب يجمعهم ، تفرّقوا عنه « 2 » سريعا ، وكان همّة كلّ واحد منهم ما وراءه من حاجاته ، والشرب يفعل خلاف ذلك من مصيره رباطا لهم لا يدعهم أن يتفرّقوا ، فيتمّ لهم لذّة الاجتماع . ومعلوم أنّ الاجتماع إنّما يطيب بسماع أو محادثة ، فإنّه ليس من اللّذات شيء يعدلهما ، وبهما تعمر مجالس الأنس والسرور ، وهما لا يطيبان إلّا بالشراب وعامّه ؛ فالشراب هو الذي يعطي فضيلة الاجتماع والمحادثة ، وهو الذي يوجب المنادمة ، ولا شيء ألذّ وأطيب وأشدّ تمكينا لأسباب الخصوصيّة والمفاوضة بين المتحابين من التنادم . وكذلك كان يوجد أخصّ / الناس بالملوك الذين يختارونهم للمحادثة ، ويقع عليهم اسم الندماء والصحابة ، وكذلك يوجد أعزّ الناس على كلّ من المتآخين نديمه الذي يشاربه ، والنّدام إنّما هو على الشراب دون الطعام . ومن تلك الفضائل أنّ الإنسان إنّما قوامه بالطعام والشراب كما وصفناه ، وأوّل الأشربة الذي جعله اللّه قواما للحياة الماء ؛ إلا أنّه ربّما عاد شربه بالضرر على كثير من المشايخ ، والمتأذّين بطبيعة البرودة والرطوبة ، واحتيج إلى شراب يمزج به ، فيكون بدلا منه . وقد علم أنّه إذا احتيج إلى ذلك لم يقدر على شيء من الأشربة يتهيّأ إدمان شربه على الطعام من غير أن يملّه الإنسان ، أو يغيّر طبيعته على تطاول مدّة شربه إيّاه غير هذا الشراب ؛ فإنّه إذا مزج مزاجا تامّا قام مقام « 3 » الماء في قطع العطش ، وزاد عليه في المنفعة بأنّه لا يضرّ مضرّته . فأمّا ما سواه من الأشربة كالسكنجبين

--> ( 1 ) في أ : اجتمع جمعا ، وفي ب : جمع جمعا . والصواب ما أثبت . ( 2 ) ساقطة من أ . ( 3 ) ساقطة من ب .