أحمد بن سهل البلخي

416

مصالح الأبدان والأنفس

ساذجا صلح للأكثرين من الأصحّاء والأعلّاء ، بأن يميل إلى الحلاوة مرّة ، وإلى الحموضة أخرى ، بحسب اختلاف المواضع وفصول السنة ، فلذلك صار من أفضل الأشربة المعمولة . فأمّا ماء العسل فإنّه شراب فاضل من أفضل الأشربة ، معين على الجلاء لمن صلح له من أصحاب الرطوبة والبرودة ، وليس يصلح للذين هم في ضدّ هذه الطبيعة من أصحاب الحرارة واليبوسة . وأمّا الألبان فهي إلى أن تكون طعاما أقرب منها إلى أن تكون شرابا ؛ ومن أجل ذلك أوقعناها في باب الطعام ، لما بيّنا من أنّها توجد غذاء للأطفال ، ولكثير / من الذين لا يجدون غذاء سواها ، فتكون طعاما لهم وشرابا . 1 / 6 / 2 : القول في الشراب العنبيّ الرقيق الذي يسكر وطبيعته ومنافعه ومضارّه : أفضل الأشربة التي استخرج الناس صنعتها بتدبيرهم وعقولهم الشراب العنبيّ الرقيق الذي من طبعه الإسكار ، وهو أشرفها جوهرا ، وأفضلها تركيبا ، وأكثرها نفعا ، إذا كان التناول بقصد ومن غير إسراف ، وذلك لفضائل استجمعت فيه نحن واصفوها . فمن تلك الفضائل أنّه ليس منها شيء يجمع في نفسه منفعة الجسد والنفس غيره ؛ لأنّ منفعة الأجساد إنّما هي فيما يفيدها صحّة وقوّة ، ومنفعة الأنفس إنّما هي فيما يفيدها سرورا ونشاطا ، وهذان الشيئان - أعني الصحّة والسرور - هما الغاية من مطالب الناس في هذه الدنيا ، وليس يجتمعان في شيء من الأطعمة والأشربة إلّا في هذا النوع من الشراب ، ولا سيّما أبدان الناس وذوي / الضعف منهم ، إذا أخذ منه بقدر ، ولم يكن بالإنسان علّة تمنع من شربه . وهو يعدّ أبلغ في باب التقوية من اللّحم ؛ وذلك أنّ اللّحم إنّما يظهر تأثيره في الأبدان بعد مدّة من الزمان ، وأمّا هذا الشراب فإنّ فعله في تقوية أبدان شاربيه