أحمد بن سهل البلخي
395
مصالح الأبدان والأنفس
وكذلك إذا أكل الخبز الجافّ اليابس وشرب عليه الماء ، حدث فيه من الانتفاخ مثل ما يحدث في الخبز اليابس إذا بلّ بالماء وغرق فيه . والذي يلي الخبز / من الطعام الذي يجب العناية بصنعته اللّحم ؛ فإنّه غذاء يدمن أهل النعمة أكله كما يدمنون أكل الخبز ، فيجب أن يعنى بجودة صنعته ، وصنعته على وجوه : فمنه ما يطبخ ، ومنه ما يقلى ، ومنه ما يشوى . والذي يشوى منه ما يدلّى في التنور ، ومنه ما يلهوج ، ومنه ما يكبّب « 1 » على النار ؛ فملاك التدبير في صنعته في كلّ واحد من هذه الوجوه أن يبالغ في إنضاجه ، فإنّ أعظم آفات ما يصنع من اللّحم أن يبقي فيه نهوءة « 2 » ، فإذا كان كذلك ، صعب هضمه واستمراؤه إلا على أصحاب المعدة القويّة الكثيرة الحرارة ، الذين وصفنا ، ومن كان ضعيف المعدة فحاجته إلى تهرية اللّحم الذي يطبخ له أكثر ؛ ليكون أقدر على هضمه واستمرائه . وما صلب من اللّحمان ولم يبالغ في إنضاجه ممّا يطبخ منه أو يشوى ، وقويت الطبيعة على هضمه ، كان أكثر غذاء ، وأزيد في القوّة ، / وأصلح لأبدان الذين يباشرون الأعمال الشاقّة ، والمهن المتعبة ؛ لأنّ الإنضاج الشديد يذهب قوّة اللّحم ، وكذلك اختمار العجين يقلّل قوّته . ومن أجل ذلك كانوا يأمرون بأن يغذّى رجال الحرب في العساكر الخبز الفطير واللّحم المشويّ الذي لم يبالغ في إنضاجه ، والشراب الصلب القويّ ؛ ليخفّف ذلك أبدانهم ، ويولّد فيها لحما صلبا مكتنزا غير رهل ولا مسترخ ، يصلح للبطش واحتمال الآلام . فأمّا أصحاب الدّعة والنعمة فيجب أن يكون التدبير في غذائهم ضدّ هذا
--> ( 1 ) كبّه : قلبه ، والكباب ، بالفتح : اللحم المشرّح ، والتكبيب : عمله ( القاموس المحيط ك ب ب 1 / 218 ) . ( 2 ) النهوءة : عدم النضج ( مفيد العلوم 90 ) .