أحمد بن سهل البلخي
388
مصالح الأبدان والأنفس
الحارّ الرطب في صفرته ، والبارد الرطب في بياضه ، وذلك التمييز من فعل الطبيعة شبيه بتمييز الصناعة في اللبن بانقسامه بالمخض بين جزأين ، أحدهما : الحارّ الرطب ، وهو الزبد ، وهو نظير صفرة البيض ، والآخر : البارد الرطب ، وهو المخيض ، وهو نظير بياض البيض ؛ فبياض البيض غذاء ثقيل وخم ، لبرودته ورطوبته ، وصفرة البيض غذاء شريف كثير التغذية ؛ للطافة أجزائها « 1 » وما فيها من اعتدال الحرارة والرطوبة ، ويطعمه الناقة « 2 » ، ومن يقصد تقوية طبيعته . وأفضل ما يغتذى به منها النّيمبرشت « 3 » ؛ لأنّ أجزاءها تلطف بما ينالها من التسخين القليل ، فإذا أصابها الطبخ فإنّه يحدث فيه جفوفا وصلابة يصير بهما أثقل وأعسر انهضاما . 1 / 5 / 5 : ذكر الحبوب : وأمّا الحبوب فإنّ غذاءها أقلّ من غذاء اللحمان أيضا وأضعف ، إلا أنّ استمراءها وانهضامها في المعدة أسهل ، والذي يتولّد من الفضلة / التي تفضل عن المنهضم تكون أكثر . وذلك أنّ اللحم متركّب من الدم ، وهو دم جامد ، فإذا قدرت القوّة الهاضمة على هضمه واستمرائه عاد أكثره دما ، واغتذى الإنسان بذلك الدم ، فزاد في قوته زيادة ظاهرة ، وقلّت الفضلة اليابسة التي تخرج منه ؛ لأنّ عامّة ما في اللحم يصير غذاء . وأمّا الحبوب فليست من جوهر اللحم ، فالذي يستحيل منها إلى الدم أقلّ ممّا يستحيل من اللحم إلى الدم ؛ ولذلك صار غذاؤها أقلّ ،
--> ( 1 ) الضمير في « أجزائها » يعود على صفرة البيض . ( 2 ) نقه من مرضه ، نقها ونقوها : صحّ وفيه ضعف ، أو أفاق ، فهو ناقة ( القاموس المحيط ن ق ه 2 / 1647 ) . ( 3 ) النّيمبرشت : بيض مسخّن بالنار حتى يقارب الانعقاد ، ثم يحسى ( القمري ، التنوير 53 ) .