أحمد بن سهل البلخي

374

مصالح الأبدان والأنفس

في الشتاء عند اشتداد البرد / . فإن أراد مريد الاستظهار على البرد بشيء من الملابس الوبريّة ، فينبغي أن يبدأ فيتعرّف كيف احتمال طبيعته للبسها ؛ وذلك أنّ عامّتها تكسب الأبدان سخونة قويّة ، لاحتقان الأبخرة الخارجة من الجسد في أجزائها ، وتشبّثها بها ، وبقائها فيها أكثر ممّا تبقى في الثّوب المنسوج . وذلك أنّ المنسوج وإن كان في الغاية من الصّفاقة والرّقّة ، فإنّه لا يخلو مع ذلك أن تكون فيما بين أجزائه المتضامّة خلل وفروج تنفد منها الأبخرة ، ولا يوجد مثل ذلك في الجلود الموبّرة ، فهي تكون أدفأ ، ويلبث الحرّ في أجزائها إذا قبلته زمانا أطول ، فيدفئ الأبدان إدفاء أكثر . فمن كانت الحرارة غالبة على مزاجه ، وكان محرورا قلّ احتماله لتلك الحرارة ، وتأذّى بلبس الوبر ، وخاصّة لما كثف وطال شعره من أصنافه ، وقويت حرارته ، مثل جلود الثّعالب ، حتى ربّما أصابه منها الكرب والغمّ الشديد ، وثارت به الصّفراء . وإنّما يصيبه / ذلك إذا كان الملبوس من الوبر محيطا بجميع جسده ، مثل الجباب والأقبية « 1 » التي يشدّها ويزرّها على بدنه ، حتى يغطّي صدره ورأس معدته ؛ فإنّ هذا موضع قويّ الحسّ ، وكثيرا ما تجتمع فيه المرّة ، فإذا حصر بالوبر الذي يعلوه ، وانعكست الحرارة المحتقنة « 2 » فيه ، آذته إيذاء شديدا ، ربّما تؤدّي به إلى علّة واكتساب حرارة ممرضة . فيجب أن يتفقّد المعنيّ بمصلحة بدنه هذا الباب ، ويتجنّب لبس الوبر إذا علم أنّ طبيعته لا تحتمله ، أو يقتصر منها على الجنس الذي يكون أقصر شعرا ، وأقلّ حرارة ، وأخفّ محملا ، مثل وبر السنجاب وما يشبهه .

--> ( 1 ) القبوة : انضمام ما بين الشفتين ، ومنه القباء من الثياب ، ج : أقبية ( القاموس المحيط ق ب و 2 / 1733 ) . ( 2 ) في أ : المحتفّة . والصواب من ب .