أحمد بن سهل البلخي

375

مصالح الأبدان والأنفس

وأن يجعل استدفاءه في أوقات البرد بما يلقيه على ظهره من الثياب الوبريّة ، ويعرّي عنها مقاديم جسده ، فإنّ ناحية الظّهر من الإنسان تحتمل من فضل الإدفاء والتّسخين ما لا تحتمله ناحية الصّدر والبطن ؛ وذلك لأنّ الأعضاء التي فيها الحرارة الغريزيّة من القلب / والكبد والمعدة تلي البدن ، فكأنّ تجويف الأحشاء - لمكان هذه الأعضاء - موقد نار الحرارة الغريزيّة ، فلذلك يستغني في كثير من الحالات عن الإدفاء والتّسخين . وأمّا ناحية الظّهر فإنّها باردة بالقياس إلى ناحية البطن ، فهي تحتاج إلى الإدفاء والتّسخين أكثر . ولذلك جرت العادة بأن يقتصر على إدفاء الظّهر وإلقاء الدّثار عليه من اللّحف والأقبية والدّواويج « 1 » ما لم يشتدّ البرد اشتدادا يخلص إلى مقاديم البدن ، ويقاوم حرارة الأعضاء الحارّة التي بإزائها فيغني إدفاء مآخير الجسد عن إدفاء مقاديمه . ولغلبة البرد على حيّز الظّهر من البدن دون حيّز البطن ، صار الإنسان أوّل ما يصيبه البرد إنّما يحسّه من قبل ظهره دون بطنه ، وصار وجوده « 2 » الفتور والتّكسير في بدنه عند ابتداء الحمّى من قبل ظهره ؛ وذلك أنّ الموادّ التي تجتمع هناك تبقى لبرودة ذلك الموضع / فجّة نيّئة ، ولا تجد من الحرارة ما ينضجها ويذيبها ، فيكون أشدّ العلّة وهيجانها منها إذا عفنت . فلما وصفناه يجب أن يعنى الإنسان المتفقّد لمصالح بدنه بإدفاء ظهره ، وإلقاء الدّثار عليه في عامّة أوقات السّنة ، مشابها في الرّقّة والكثافة فصول الزمان ، وأن يكشف عن صدره ومقاديم جسده ما لم يشتدّ البرد ؛ ليناله روح

--> ( 1 ) الدّوّاج : كرمّان وغراب : اللّحاف الذي يلبس ( القاموس المحيط د وج 1 / 296 ) . ( 2 ) من وجد المطلوب وجدا وجدة ووجودا : أدركه ( القاموس المحيط وج د 1 / 467 ) .