أحمد بن سهل البلخي

373

مصالح الأبدان والأنفس

أمّا الحاجة إلى اللّيّن فلأنّه إذا كان ليّنا التذّت حاسّة اللمس ملمسه ، وطاب لبسه ، وإذا كان خشنا نفرت البشرة عن ملامسته ، وانزوت وانقبضت ؛ لأنّ حاسّة اللّمس بحسب ميلها إلى اللّيّن نفورها عن الخشن الذي هو ضدّه . وأمّا الحاجة إلى أن يكون صفيقا ؛ فلكي يلصق لصفاقته بالبشرة ، ويمنع البخار الخارج منها من أن ينفذ « 1 » ، فيجتمع ويتكاثف ويسخّن البدن ؛ فإنّ البدن إنّما يدفأ بما يخرج منه من الأبخرة ، لا بشيء يصل إليه من خارج ، وذلك أنّ تلك الأبخرة إذا حصرتها الثياب التي على الإنسان / ولم تدعها تنفذ اجتمعت وتكاثفت وتراجعت إلى البدن وسخّنته ، فكلّما كان الثوب أصفق ، كان أبلغ في الإدفاء لما وصفناه ، وإذا كان الثوب متخلخلا مستشفّا انفشّت « 2 » تلك الأبخرة من أجزائه ، ومنعت من الإدفاء . ولذلك وجب أن يكون الثوب الذي يلبس في الصيف بهذه الصّفة - أعني أن يكون متخلخلا مستشفّا - ليعمل ضدّ الإدفاء بنفوذ تلك الأبخرة منه لتخلخله ، مثل الغلائل « 3 » والشّفوف « 4 » ؛ إلا أن يكون الإنسان في الصيف ضاحيا « 5 » بارزا ، فإنّه عند ذلك يحتاج إلى الثوب الصّفيق ، وإلى مظاهرة الثياب ؛ ليمنع منه الحرّ الواصل إليه من خارج فلا تحرقه ، فإنّ كثافة الملبوس يقي الضّاحي في الصيف ، كما يقي المصحر في الشتاء البرد ؛ ولذلك لزمت الحاجة إلى دخول الأكنان الكثيفة عند اشتداد الحرّ في الصيف ، كلزومها إلى دخولها

--> ( 1 ) في أ : ينفد . والصواب من ب . ( 2 ) انفشّت القربة ونحوها : خرج ما فيها من هواء ( المعجم الوسيط ف ش ش 2 / 689 ) . ( 3 ) الغلائل : الدروع ، أو مساميرها الجامعة بين رؤوس الحلق ، أو بطائن تلبس تحتها ، الواحد غليلة . ( القاموس المحيط غ ل ل 2 / 1373 ) . ( 4 ) الشّفّ ، ويكسر : الثوب الرقيق ، ج : شفوف ( القاموس المحيط ش ف ف 2 / 1100 ) . ( 5 ) ضحا ضحوا وضحوّا وضحيّا : برز للشمس ( القاموس المحيط ض ح و 2 / 1711 ) .