أحمد بن سهل البلخي
370
مصالح الأبدان والأنفس
وكلّ إظلام من جنس الليل . ثمّ ممّا يناله من الضّرر بإظلام هواء البيت عليه أنّه إن أراد أن يستثبت فيه شيئا يحتاج إلى تمكين بصره فيه - مثل كتب يقرؤها ، وغير ذلك - لم يتهيّأ له تبيّن المنظور إليه إلا بعد إنحائه « 1 » على البصر ، فيكلّه ويضعفه بإتعابه وحمله عليه . ثمّ إذا طال مقامه في ذلك الهواء الذي يشوبه بعض الظلام ، وخرج منه بعد ذلك / بزمان طويل ، منه « 2 » في بصره من الضعف بعض ما يعرض في أبصار الذين يحبسون في المواضع المظلمة التي لا يدخلها الضياء ، فيطول مدّة حبسهم فيها ، فإنّه ربّما ذهبت أبصارهم حتى لا يبصروا إذا خرجوا منها شيئا ؛ وذلك أنّ قوام نور البصر إنّما هو بالهواء المعتدل فيما بين الإنارة والإظلام ، فأمّا إفراط كلّ منهما عليه وطول مكثه فيهما ، فمفسد عليه بصره . وذلك كما نشاهده من حال الناظر إلى شعاع الشّمس من إحداثه في بصره ما يحدثه من الضّعف والغشاء وإذهاب البصر بآخره إذا دام نظره إليه ، ومن حال الذي يبقى في المواضع المظلمة المدّة الطويلة من فساد بصره عند خروجه وبروزه إلى الهواء النيّر المضيء . فإذا دبّرت البيوت الشتويّة على مثال ما وصفناه ، فإنّه يحتاج بعد ذلك إلى أن تدفأ أهوية تلك « 3 » البيوت بالوقود الذي يعظم ناره ، ليبلغ جميع أجزاء البيت حظّ من التّسخين / والإدفاء ؛ ثم لا يكون مجلسه فيها يقرب من الصّلاء « 4 » ومواضع الوقود ، فعل المقرور « 5 » ، حتى يستكمل الالتذاذ بالسّخونة ، كما يجد
--> ( 1 ) في أ ، ب : إنجائه . والصواب ما أثبت . أنحى عليه : أقبل ( المعجم الوسيط ن ح و 2 / 908 ) . ( 2 ) مناه بكذا : ابتلاه به ( م و 2 / 889 ) . ( 3 ) ساقطة في ب . ( 4 ) الصلاء : الوقود أو النار ( القاموس المحيط ص ل ي 2 / 1709 ) . ( 5 ) القرّ : البرد ، وقرّ الرجل : أصابه القر ، وهو مقرور ( القاموس المحيط ق ر ر 1 / 642 ) .