أحمد بن سهل البلخي
361
مصالح الأبدان والأنفس
النسيم الذي يدعى : الريح السّحريّة ، / وهي الموصوفة بالطّيب لالتذاذ الإنسان بها « 1 » إذا مسّته ، فيطيب النوم عليها . وقد عرفت العامّة ذلك دون الخاصّة ، فيتوخّى أن يكون مبيته في الفصلين بحيث يخلص إليه نسيم الصبا ، ولا يستره عنه ساتر ، يستمتع به وبمواجهة ضياء الشمس عند إقبالها من ناحية المشرق ؛ فإنّها تعطي ما يواجهها في أوّل النهار قوّة عجيبة في نفسه وبدنه ، وذلك أنّ أهل المعرفة والاعتبار لا يشكّون في أنّ أحوال الأشياء التي في هذا العالم من النبات والحيوان مرتبطة بحال الشمس ؛ فإذا أقبلت بطلوعها من ناحية المشرق ، حدث بإقبالها في كلّ شيء - من جهة نفسه إن كانت له نفس ، أو من جهة بدنه - باب من الزيادة . والإقبال أن تنتهي بصعودها إلى وسط السماء ، ثمّ تزول مدبرة إلى المغرب ، فيعرض في كلّ شيء باب من النقصان . والإدبار إلى مغيبها . ومن أجل ذلك جرت العادة / من الناس أن يجعلوا افتتاح الأعمال النفسانيّة والجسمانيّة في أوّل النهار ، أو مع طلوع الشمس وإقبالها ؛ لكمال القوّة ، ووفور النشاط في ذلك الوقت ؛ ولأنّ الإنسان كأنّه يستقبل حياة جديدة في هذا العالم ، لأنّ ذلك الوقت هو شباب العالم ، كما أنّ أوّل عمر الإنسان شبابه . فكلّما عمل في ذلك الوقت من فعل نفسانيّ أو جسمانيّ وجد أقوى وأكمل وأتمّ وأفضل . فهذه حكم الرياح الثلاثة . فأمّا الريح الرابعة التي تسمّى الدّبور ، وهي التي تهبّ من ناحية المغرب ، فإنّها ريح لا يحتاج إلى التعرّض لها ، ولا إلى استقبالها « 2 » ؛ لأنّها لا توصف بمنفعة ترجع إلى الإنسان من مواجهتها ، بل الاستتار عنها أفضل ، والانحراف [ عنها ] بالمجالس عن مسامتتها أصلح ؛ لأنّها تدعى عقيما . يراد بتلك « 3 » أنّها لا
--> ( 1 ) في أ ، ب : لها . والصواب ما أثبت . ( 2 ) في أ : الاستقبال إليها ، وفي ب : الاستقبال لها . والصواب ما أثبت . ( 3 ) أي : التسمية .