أحمد بن سهل البلخي
362
مصالح الأبدان والأنفس
تلقّح شيئا ، وإنّما شأنها تثوير الأهوية . ثمّ ممّا يحتاج إليه المعنيّ بمصلحة بدنه في تدبير المسكن ، أن يتوخّى في كلّ وقت / أن يجعل مجلسه في كلّ مكان يبعد في الهواء عن وجه الأرض ؛ فإنّ الذي يلي وجه الأرض من الهواء مشوب بأبخرة ترتفع منها فتكدّره ، ثمّ ينقّى بعد ذلك الجوّ من شوائب تلك الأبخرة ويصفو ، والدليل على عمل تلك الأبخرة في الهواء حال الشمس والقمر عند طلوعهما وغروبهما ، فإنّهما يريان عند ذلك في لون يغلب عليه الحمرة والكدورة ، كأنّما يطلعان من وراء سحاب ؛ فإذا ارتفعا عن مسامتة تلك الأجزاء البخاريّة ، صفا لونهما ، وصار إلى تمام الضياء والإشراق . وهذه الأبخرة - التي ذكرنا تطبيقها وجه الأرض - من شأنها أن تكدّر الهواء الذي يتنسّمه الإنسان ، فتخثّر « 1 » البدن ، وتفتّره ، وتحدث فيه استرخاء وثقلا حتّى يتعدّى مضرّة ذلك من الأبدان إلى الأنفس ، فيعمل في قوى الحفظ والفهم ، ويكسبهما ضعفا وبلادة . فيجب على المتفقّد لأمره أن يحتال في التباعد عن سطح الأرض / في مجلسه ؛ ليسلم من هذه الآفة ، ويجعل مجالسه في العلالي والمستمطرات « 2 » والمواضع المشرفة في الهواء إذا لم يكن في صميم البرد المانع له من الارتقاء إليها ، أو في صميم الحرّ المانع من الجلوس فيها بالنهار ؛ وإذا كان ذلك في وقت غلبة الحرّ والبرد على الهواء ليلا ونهارا ، جعل جلوسه على الأسرّة المرتفعة والفرش المنضّدة الممهّدة ؛ ليستدفع بذلك مضرّة تلك الأبخرة عن بدنه .
--> ( 1 ) خثرت نفسه : غثت واختلطت . وخثر فلان : أحسّ قليلا من الفتور والتكسر ( المعجم الوسيط خ ث ر 1 / 218 ) . ( 2 ) المستمطر : الموضع الظاهر البارز المنكشف . يقال : نزل فلان بالمستمطر ( المعجم الوسيط م ط ر 2 / 875 ) .