أحمد بن سهل البلخي

358

مصالح الأبدان والأنفس

حدثت أوباء وأمراض أن يبعد « 1 » عنها إلى الأهوية النقيّة من آفاتهما ، الخالصة من شوائبهما . وكذلك يعدّ لنفسه مواضع يتروّح فيها عند هجوم القيظ « 2 » ، واشتداد الحرّ الذي يؤذي الأبدان ، ويقلّ صبرها عليه ، فإنّه لم يزل من عادة حكماء الملوك ومتنعّميهم تغيير الأماكن ، واستبدال بعضها ببعض في صميم الشتاء والقيظ ، ليسلموا بذلك من أذى الحرّ المفرط ، والبرد المفرط . ويجب عليه أن يستعمل مثل هذا التدبير في البلد الواحد ، والوطن الذي يكون أخصّ به . فقد يوجد في مواضع البلد الواحد من اختلاف الأهوية وتفاضلها مثلما يوجد في البلدان المتنائية التي يبعد بعضها عن بعض ، كما قدّمنا من وصف ذلك في أوّل الكلام . إلا أنّ ذلك الاختلاف يكون أقلّ وأخفى ، فيجعل لنفسه حظّا من المواضع التي توصف برقّة الهواء ، وطيب / المزاج . ويلزمه - أيضا - أن يتمثّل هذا المذهب في معنى قصره الذي يسكنه ، بأن يعدّ لنفسه فيه مجالس شتويّة ، وصيفيّة ، وربيعيّة ، وخريفيّة ، ينتقل فيها بحسب الحاجة إلى كلّ منها في أوانه ، وحضور زمانه ؛ فإنّ ذلك تدبير يحسن عائدته عليه في حفظ الصحّة على بدنه . 1 / 3 / 13 : ثمّ يتوخّى أن يجعل كلّ مجلس من تلك المجالس التي يعدّها لفصول سنته بإزاء مهبّ ريح من الرياح التي يستحبّ مقابلتها والتعرّض لها في ذلك الفصل ؛ فإنّ للرياح الهابّة من جهات العالم الأربع من التأثير القويّ في أجسام الحيوان والنبات وغيرهما ما يطول الكلام بوصفه ، إلا أنّا نقول في الجملة :

--> ( 1 ) أي : يجب أن يبعد عنها ، وهو تابع لقوله : ولذلك يجب ألا يدع . . . ( 2 ) القيظ : صميم الصيف ( المعجم الوسيط ق ي ظ 2 / 770 ) .