أحمد بن سهل البلخي

359

مصالح الأبدان والأنفس

إنّها أقوى المؤثّرات تأثيرا ؛ لأنّ الرياح هي أهوية تتجزّأ ، والهواء من أقوى أجسام العالم تصرّفا في ذاته ، وتصريفا لما يلاقيه ، وهي التي تؤدّي القوى من الأجسام السماويّة العلويّة إلى الأرضيّة « 1 » ، وتوصل / بقوّة حركتها إلى الإنسان طبائع ما تمرّ به في هبوبها . كما نشاهد من ذلك في نقلها الأصوات والروائح إلى الجهات التي تسامتها من المواضع البعيدة التي لم تكن لتبلغها تلك الأصوات والروائح عند سكون الهواء . ويبلغ من قوّة تأثيرها فيما يلاقيها ، أنّها هي التي تلقّح الأشجار ، وتربّي كثيرا من النبات والثمار ، وهي التي تثير السحاب ، وتجمع أجزاءها وتكثّفها ، وتأتي بالأمطار التي هي الغيث ، وتسقي العالم . ويبلغ من قوّة تأثيرها فيما تلاقيه وتهبّ عليه ، أنّها تغيّر طباع الحيوان في التوليد من الإذكار « 2 » إلى الإيناث ؛ فقد وجدت فيما جرّب واعتبر أنّ كثيرا من الرياح الشماليّة والجنوبيّة « 3 » إذا دام هبوبها على مواضع توالد الحيوان ، أنّها تجعل نتاجها مرّة - في الأكثر - ذكورة ، ومرّة إناثا . وكذلك تأثيرها في أجسام الناس وقواهم وألوانهم ؛ فإنّ منها ما يرخي الأبدان ويغيّرها ، ويغيّر الألوان إلى الصفرة ويحيلها ، / ومنها ما يصلّب الأبدان ويشدّها ، ويجعل الألوان مشرقة نيّرة . وكذلك فعلها في كلّ شيء تلاقيه من أجسام الحيوان والنبات . وإذا كان فعلها هذا الفعل ، فالواجب أن يحسن المعنيّ بمصلحة بدنه الاختيار في الاستقبال بمجالسه ما يجب أن يستقبل منها في كلّ فصل ،

--> ( 1 ) وذلك حسب نظرية تأثير الأجسام السماوية من الكواكب وغيرها بأمزجة الأجسام الأرضية . ( 2 ) من أذكرت : إذا ولدت ذكرا ( القاموس المحيط ذ ك ر 1 / 560 ) . ( 3 ) في أ ، ب : الجنوب . والصواب ما أثبت .