أحمد بن سهل البلخي

342

مصالح الأبدان والأنفس

1 / 2 / 5 : فجعل قصبة الرّئة آلة القلب ، والصّدر آلة للتنفّس « 1 » ، وذلك أنّ الإنسان إنّما يحيى بالتّنفّس ، والتنفّس إنّما يكون بهذه الأعضاء ؛ لأنّ القلب معدن الحرارة الغريزيّة « 2 » التي تدبّر البدن ، وإذا اشتعلت فيه تلك الحرارة الدّخانيّة دفعها بالرّئة ، ونفضتها « 3 » إلى خارج ، واستبدل بها هواء باردا من خارج يروّح عنه . والرّئة تفعل ذلك بالانقباض والانبساط ، فهي مثل الكير للحدّاد الذي يجتلب به الهواء ويدفعه لإيقاد النّار . وجعل المريء والمعدة آلة لجذب الغذاء وإمساكه ، وذلك أنّ الإنسان لا يعيش إلا بالغذاء من الطعام والشراب ، فهو يجتذب الطعام بالفم والمريء ، ويلقيه إلى المعدة ، فإذا أقبلت / الحرارة الغريزيّة التي في المعدة على هضم ذلك الطعام ، والطعام شيء أرضيّ ، احتاجت إلى رطوبة يتهيّأ لها به إنضاجه ، كما يحتاج الشيء اليابس الذي يلقى في القدر إلى ما ينضج فيه ، فإن عدم الماء احترق وتشيّط ، وكذلك الطعام في المعدة ، فلا تزال تلك الحرارة الطبيعيّة تستسقي الماء بالعطش إلى أن تأخذ منه القدر الذي تحتاج إليه لإنضاج الطعام ، ثمّ تمسك ، فينقطع العطش ، فإذا طبخت المعدة ذلك الغذاء المجتمع فيها من الطعام والشراب صيّرته في مثل قوام ماء الشعير من الملامسة والبياض ، ثمّ تدفع صفوته إلى الكبد في مجار هيّئت لذلك ، فتحمّر الكبد لونه ، وتفيده صورة الدّم ، ويكون في ذلك الدّم جزء ناريّ حارّ يابس ، فتجتذب المرارة - التي هي وعاء المرّة الصفراء - ذلك الجزء الناريّ من الكبد ، وتمسكه لما تحتاج فيه إليه من منافع البدن ، ويجتذب الطحال الذي / هو وعاء المرّة السوداء الجزء الأرضيّ البارد اليابس ، ويمسكه لما يحتاج إليه من منافع البدن ، ويجتذب الجزء البارد الرّطب المائيّ الآلات التي هيّئت لذلك من جميع البدن ؛ لأنّ الجزء المائيّ الرّطب مبثوث في جميع البدن . ويبقى الخالص الصافي من الدّم في الكبد ، فترسله بالعروق المتشعّبة منها إلى جميع البدن لتغذوه به ، إذ كان الدّم أصل غذاء البدن ومادّته .

--> ( 1 ) في ب : للنفس . والأولى أن يقول : والصدر آلة التنفّس . ( 2 ) الحرارة الغريزية : هي التي خصّ بها كل شخص لاعتداله ( القمري ، التنوير 44 ) . ( 3 ) أي : الرئة .