أحمد بن سهل البلخي
137
مصالح الأبدان والأنفس
نعلمه ونراعيه في خطوطه العامة ، وكل ما هنالك أن تطور الحضارة المادية أفرز مشكلات بيئية معقدة لا تزال الجهود منصبّة لمعالجتها ، والاختلاف بطبيعة المشكلات وحلولها إنما يرجع إلى تغيّر الظروف المرضيّة في عصرنا من جهة ، وإلى تقدم العلوم والمعارف الكونية من جهة أخرى ، ولا يرجع إلى اختلاف الأهداف الصحية العامة . فمشكلة المياه التي أثارها البلخي لا تزال من أخطر المشاكل التي تهدد البشرية في هذا العصر الذي هو عصر العلوم والتقانات ، والأخطار هي هي لم تتبدل ؛ وذلك من ثلاثة أوجه : الوجه الأول : تغطية الحاجات الاستهلاكية المتزايدة للمياه اليوم ، لا سيما مع ازدياد التلوث ومحدودية المصادر ، وقد أشار البلخي إلى معالجة ذلك بالهجرة ونقل الماء وإصلاحه . الوجه الثاني : الأوبئة المنتقلة بالمياه والهواء ، وقد أشار البلخي في كلامه على الأوباء إشارة مبهمة - لكنها مهمّة - ربط فيها بين الوباء من جهة ، والماء والهواء من جهة أخرى ، فنصح بالابتعاد عن آفات الأوباء إلى الهواء النقي ، الخالص من شوائب الأمراض على حد تعبيره ( 1 / 3 / 12 ) . فالبلخي أشار إلى معالجة الهواء الموبوء ، على الرغم من جهله بالعوامل الممرضة المسببة للأمراض الوبائية ! الوجه الثالث : التلوث الكيميائي للمياه اليوم ، وقد حذّر البلخي من الشوائب المختلفة التي يمكن أن توجد في الطبيعة ، والتي تخالط التربة فتفسدها ، وتخالط الماء فتفسده ، وتخالط الهواء فتفسده . 5 - استدل البلخي على الحاجة إلى تدبير المساكن والمياه والأهوية بشكل نظري قياسيّ أولا ، ثم بما هو ملموس محسوس ثانيا ( 1 / 3 / 1 ) . وعرف البلخي العلاقة المتبادلة بين عناصر البيئة الرئيسة ، فعرف العوامل غير الحية التي تشمل الماء والتربة والهواء ، وعرف العوامل الحية كالنبات والإنسان والحيوان ،