أحمد بن سهل البلخي

115

مصالح الأبدان والأنفس

بها هواء باردا من خارج يروّح عنه . والرّئة تفعل ذلك بالانقباض والانبساط ، فهي مثل الكير للحدّاد الذي يجتلب به الهواء ، ويدفعه لإيقاد النّار » ( 1 / 2 / 5 ) . وقال ممثلا : « فإذا أقبلت الحرارة الغريزيّة التي في المعدة على هضم ذلك الطعام ، والطعام شيء أرضيّ ، احتاجت إلى رطوبة يتهيّأ لها به إنضاجه ، كما يحتاج الشيء اليابس الذي يلقى في القدر إلى ما ينضج فيه ، فإن عدم الماء احترق وتشيّط » ( 1 / 2 / 5 ) . وقد مثّل البلخي لأخذ الطعام بقدر الحاجة ، دون منع الكفاية ، ودون الزيادة ، بحال المصباح الذي يمد من الدهن بقدر الحاجة ، فإنه يبقى متقدا ما دامت فتيلته باقية ، ومتى قطعت عنه مادة الدهن أو غرق فيها فإنه يطفأ سريعا . كما مثّل له بالنار الموقدة التي تمد بقدر الحاجة من الحطب ، فإنها تبقى ملتهبة ، فأما إن قطعت عنها المادة ، أو وضع عليها من الحطب الكثير الجزل ما يخنقها ، فإنها تخمد بفترة وجيزة ( 1 / 5 / 5 ) . وظهر عنصر التعليم جليّا في استعمال وسائل الإيضاح كالدائرة التي رسمها ملخصا فيها نظرية الأخلاط ، وإرجاع المعلومات الجزئية إلى قواعد عامة ، فقد كان البلخي حريصا على تأكيد قوة المعلومات التي يقررها من خلال بيان مستندها من القواعد العامة . ومثال ذلك عرضه قاعدة التدرّج في الانتقال من الشيء لضده في سياق استشهاده على ضرورة إيقاظ النائم بلطف ، وألا ينهض سريعا ، يقول : « وفي جملة القول : إن كل شيء من أفعال الإنسان الطبيعية التي يتقلب فيها ينبغي ألا يصير من شيء منها إلى ضدّه فيها إلا بتدرج وترتيب ، فإن ذلك هو الأصلح والأعود عليه في حفظ الصحة » ( 1 / 8 / 2 ) . ومثاله أيضا عرضه لقاعدة موافقة الطبيعة في سياق استشهاده على خطأ من