أحمد بن سهل البلخي

106

مصالح الأبدان والأنفس

النبات والحيوان مرتبطة بحال الشمس ، فإذا أقبلت بطلوعها من ناحية المشرق حدث بإقبالها في كلّ شيء باب من الزيادة . والإقبال أن تنتهي بصعودها إلى وسط السماء ، ثمّ تزول مدبرة إلى المغرب ، فيعرض في كلّ شيء باب من النقصان » ( 1 / 3 / 13 ) . ومثال ذلك أن البلخي ردّ أنس الإنسان بالأماكن المضيئة ، ووحشته من المظلمة ، إلى حكم أنسه بالنهار وضوئه ، واستيحاشه من الليل وظلامه ، وكل إنارة فهي من جنس النهار ، وكل ظلمة فهي من جنس الليل ( 1 / 4 / 5 ) . والمطلوب - دوما - بالنسبة إلى حفظ الصحة إزالة السبب الذي يؤدي إلى الخلل ، وقد نما هذا المنهج عند الأطباء العرب باتجاه التحرّر من استبداد نظرية الأخلاط . غير أن البلخي كان يؤكد دائما أن اتخاذ أسباب الوقاية والحرص على جمعها واستكمالها في شتى المجالات ليس هو الذي يجعل الإنسان في مأمن من أن تصيبه الآفات والأمراض ، وإنما هذه التدابير لا تجدي إلا بمشيئة اللّه . ومثال ذلك أنه بعد أن بيّن في الباب الرابع أسباب تجنب الحرارة والبرودة ، بيّن أن من يتخذ تلك الإجراءات تدوم له صحته ، ويصلح حال بدنه بإذن اللّه ومشيئته . وربط الأسباب بالمشيئة ، دون أن يطلق الأحكام مستقلة عن إرادة اللّه ( 1 / 4 / 2 ) . الخبرة العملية : وتقوم على العنصر السابق ، إذ تعتمد على ملاحظة الظواهر الصحية ومعرفة مدلولاتها ، لتتكوّن الخبرة العملية مع الزمن ، وقد استطاع الأطباء العرب أن يزاوجوا من خلال ذلك بين الناحيتين العملية والنظرية ، فها هو ذا البلخي يعتمد على التجارب العملية والمشاهدة الحسية في البرهان فيقول -