محمد بن زكريا الرازي
53
المنصوري في الطب
البدن ليسقي جميع الأعضاء التي هناك . والثاني يأخذ إلى أعاليه ليسقي جميع الأعضاء العالية . وهذا القسم الأعلى يمرّ حتى يلاصق الحجاب . وينقسم منه هناك عرقان يتفرقان في الحجاب ليغذوانه ثم ينفذا إلى الحجاب . فإذا نفذاه انقسمت منه عروق دقيقة اتصلت بالغشاء الذي يقسم الصدر بنصفين وبغلاف القلب وبالغدة التي تسمى التوثة « 55 » وتفرقت فيها - وأنا ذاكر هيئة هذه الأعضاء فيما بعد - ثم يتشعب منه شعبة عظيمة تتصل بالأذن اليمنى من أذني القلب . وتنقسم هذه الشعبة ثلاثة أقسام أحدها يدخل إلى التجويف الأيمن من تجويفي القلب وهو أعظم هذه الأقسام . والثاني يستدير حول القلب من ظاهره ، وينبتّ فيه كلّه . والثالث يتصل بالناحية السفلى من الصدر ويغذي ما هناك من الأجسام وإذا جاوز القلب مرّ على استقامة إلى أن يحاذي الترقوتين وينقسم منه في مسلكه هذا شعب صغار في كل واحد من الجانبين ليسقي ما يحاذيها ويقرب منها . « 56 » ويخرج منه شعب صغار إلى خارج فيسقي العضل
--> ( 55 ) وهي الغدة المعروفة باسم ( البروستات ) * . راجع ( توثة ) في فهرس الكلمات الواردة . ( 56 ) إن ما ذكره المؤلف ( الرازي ) ويذكره حول مصدر العروق وتوزيعها ، هو ما كان معروفا لدى الأطباء منذ عهد اليونانيين واستنادا إلى آراء جالينوس . وقد أصبحت المعلومات هذه نظريات تتناقلها أجيال الأطباء جيلا عن جيل . وما ذلك إلا لأن علم التشريح كان قاصرا ومتأخرا جدا . وذلك لأن تشريح الإنسان الميت كان من المحرّمات وخاصة في العصر الإسلامي . لذلك فإن الأطباء كانوا يستعيضون عنه بتشريح الحيوانات المختلفة وخاصة القرود باعتبارها أقرب المخلوقات شبها بالإنسان ، وإن كان بعض الأطباء - كما ذكر فيما بعد - كانوا يجازفون ويشرّحون بعض الجثث سرّا وبتكتم شديد خوفا من افتضاح أمرهم . هذا ناهيك عن أن أدواتهم التي كانوا يستعملونها في عملهم كانت شبه بدائية . لذلك فإن معلوماتهم التشريحية التي كانوا يحصلون عليها كانت ناقصة أو غير صحيحة في كثير من النواحي . نعود ونقول : إن النظريات هذه - التي ذكرها المؤلف - حول انبثاق العروق من الكبد ثم طريقة توزيعها في الجسم ، هي نظريات خاطئة . وأول من أثبت بالبرهان خطأها ، حيث اكتشف الدورة الدموية الصغرى الحقيقية ، هو العالم العربي الطبيب ( ابن النّفيس ) حيث دونها في كتاب احتفظ به قبل أن ينشر معلوماته . ثم توفي ، فأصبحت معلوماته في طي النسيان . وبعد قرون جاء الطبيب الإنكليزي هارفي ، وعثر على -